O-Ring Around and Around

المتابعون

المتواجدون

العالم بين يديك


counter

Blog Archive

سويتش التنقل

اخر خبر

الاثنين، 7 نوفمبر، 2011

الى مجاهدين وشرفاء ليبيا تعالوا نعلمكم حرب الاغتيالات

name for pic


هذه‏ الدراسة

لقد‏ كان‏ الحديث‏ في‏ الاغتيالات‏ التي‏ يقوم‏ بها‏ الموساد‏ الإسرائيلي خاضعاً‏ في‏ الغالب‏ للتناول‏ الصحفي‏ السريع‏ الذي‏ لا‏ يذهب‏ أبعد‏ من‏ النظرة‏ التسجيلية، ‏غير‏ قادر‏ على تحليل‏ الأسلوب‏ وأبعاده، ناهيك‏ عن‏ معالجة‏ وسائل‏ مقاومته‏ وطرق‏ اتقائه وفي‏ بعض‏ تناول‏ أساليب‏ الاغتيالات‏ ما‏ ينضوي‏ تحت‏ بند‏ ما‏ يسمى‏ برواية‏ الجاسوسية.


ولكن‏ استشهاد‏ المجاهد‏ هاني‏ عابد‏ على‏ أيدي‏ الموساد‏ الإسرائيلي حفزني‏ إلى تناول‏ هذه‏ الطريقة‏‏ في‏ إدارة المعركة‏ التي‏ طالما‏ نفذها‏ الصهاينة‏ ضد‏ مجاهدينا‏ ومناضلينا، وفرض‏ علي‏ أن‏ أحاول‏ تحليل‏ أساليب‏ الاغتيال‏ ووسائله، وأشير‏ إلى بعض‏ ما‏ يمكن‏ أن‏ يشكل‏ طرقاً‏ وقائية‏ تفوت‏ على‏ العدو‏ فرصة‏ النجاح‏ في‏ هذه‏ المعركة‏ التي‏ هي‏ إحدى‏ حلقات‏ حربنا‏ الطويلة‏ الدموية‏ معه، ‏غير‏ غافل‏ عن‏ مشيئة‏ الله وقدره‏ الذي‏ لا‏ راد‏ له، ‏إنما‏ عاملاً‏ جهدي‏ بقول‏ الرسول‏ الكريم‏ "اعقل‏ وتوكل".


لقد‏ كان‏ جسد‏ الشهيد‏ الرسالي‏ هاني‏ عابد، وهو‏ يتشظى‏ في‏ سماء‏ فلسطين، ‏ينشر‏ على‏ الأرواح‏ القلقة‏ والأجساد‏ المتعبة‏ تحت‏ وطأة‏ الصراع‏ والنفوس‏ الذاهلة‏ في‏ تلاحق‏ النضال‏ اليومي، ‏سؤالاً‏ ثقيلاً:


‏هل‏ آن‏ الأوان‏ للاستفادة‏ من‏ التجربة، ‏أم‏ أننا‏ سنتشاغل‏ عن‏ السؤال‏ والتحدي‏ ونترك‏ للصهاينة‏ أن‏ يستمروا‏ في‏ استخدام‏ وسيلة‏ الاغتيال‏ القذرة‏ ضدنا‏ مستغلين‏ تواكلنا‏ وعدم‏ استيعابنا‏ للدروس‏ القاسية‏ التي‏ يواجهوننا‏ بها؟


إشكالية الدراسة


ولكن‏ هذه‏ الدراسة‏ واجهت‏ عدة‏ إشكاليات والتباسات؛‏


أولاها: ‏أن‏ أسلوب‏ الغدر‏ والقتل‏ غيلة‏ لا‏ يخضع‏ لقاعدة؛‏حيث‏ أن‏ القاتل‏ يتفادى‏ الانكشاف‏ وافتضاح‏ أمره، فيعمد‏ إلى السرية‏ في‏ التنفيذ، ويعتمد‏ على عنصر‏ المفاجأة. صحيح‏ أن‏ المعركة‏ تعتمد‏ بعمومها‏ على المفاجأة، ولكنها‏ علنية‏ في‏ التنفيذ، وتفقد‏ عنصر‏ المفاجأة‏ بعد‏ بدايتها، ‏ولا‏ تترك‏ لنا‏ دروساً‏ نستخلصها‏ منها، ومجالاً‏ لدراسة‏ الأساليب‏ التي‏ أستخدمت‏ فيها، ‏إنما‏ الأساليب‏ المتبعة‏ في‏ الاغتيالات‏ تظل‏ سراً، ‏حتى‏ بعد‏ تنفيذها، فنادراً ما‏ يتم‏ انكشاف‏ المنفذين‏ والتحقيق‏ معهم وعادة‏ ما‏ تميل‏ الأجهزة‏ الأمنية‏ إلى عدم‏ نشر‏ نتائج‏ دقيقة‏ للتحقيق‏ في‏ مثل‏ هذه‏ الحالات‏ لأسباب‏ تتعلق‏ بسرية‏ الحروب‏ التي‏ تدور‏ بين‏ الأجهزة‏ الأمنية‏ المختلفة، وكون‏ هذه‏ الأساليب‏ من‏ أسرار‏ المهنة‏ التي‏ تحرص‏ الأجهزة‏ الأمنية‏ على اختلافها‏ ألا‏ تنكشف.


وثانيها: ‏أن‏ هذه‏ الدراسة‏ تتناول‏ فترة‏ زمنية‏ فسيحة‏ تبدأ‏ بمصطفى‏ حافظ‏ الذي‏ اغتيل‏ في‏ الخمسينات‏ وتنتهي‏ بفؤاد‏ مغنية‏ الذي‏ استشهد‏ في‏ ديسمبر‏ 1994م، ‏وبينهما‏ ما‏ يزيد‏ على الأربعين‏ عاماً. وهي‏ فترة‏ اختلفت‏ فيها‏ الظروف‏ والوقائع‏ السياسية‏ والأفكار والدوافع‏ والطرق‏ والأهداف، بل‏ اختلفت‏ فيها‏ معسكرات‏ الأصدقاء‏ والأعداء، وهذا‏ هو‏ الأهم ، ‏فليس‏ خافياً‏ أن‏ الصراع‏ الذي‏ كان‏ دائراً‏ بين‏ شبكة‏ المخابرات‏ السوفييتية‏ وبين‏ الأميركية‏ حكمته‏ تقاليد‏ وعادات‏ في‏ إدارة المعركة‏ أثرت‏ على ثورتنا‏ وأسلوب‏ معالجتها‏ لحرب‏ الاغتيالات. ومع‏ سقوط‏ الاتحاد‏ السوفييتي‏ أصبحت‏ الخيارات‏ محدودة‏ والأساليب‏ الواجب‏ اتباعها‏ في‏ إدارة المعركة‏ بحاجة‏ إلى ابتداع‏ واكتشاف، أو على الأقل‏ غير‏ مجربة‏ وغير‏ مدروسة‏ بما‏ فيه‏ الكفاية وربما‏ كانت‏ هذه‏ المشكلة‏ حافزاً‏ جديداً‏ لإنشاء مثل‏ هذه‏ الدراسة.


وثالثها: ‏اتساع‏ الرقعة‏ الجغرافية‏ التي‏ ذهب‏ فيها‏ شهداؤنا‏ ومناضلونا‏ صرعى‏ حرب‏ الاغتيالات، ‏من‏ غزة‏ إلى أوسلو مروراً‏ ببيروت‏ وباريس‏ وقبرص‏ وروما‏ وأثينا‏ وتونس.


ورابعها: الفرو قات بين‏ الشهداء‏ والمناضلين‏ أولئك‏ جميعاً، وهي‏ فروقات في‏ نمط‏ التفكير‏ والثقافة‏ والفكر‏ والأيديولوجيا والتعبئة‏ والأهداف‏ ونمط‏ السلوك‏ اليومي‏ وطريقة‏ الحياة، أي‏ أنهم‏‏ لم‏ يكونوا‏ يشتركون‏ في‏ صفات‏ تجعل‏ دراستنا‏ قادرة‏ على تحديد‏ السمات‏ الجامعة‏ بينهم، بحيث‏ نتمكن‏ من‏ تحديد‏ نمط‏ سلوك‏ مفترض‏ لاتقاء‏ شر‏ الغدر‏ الصهيوني، ‏أو‏ تحديد‏ آليته‏ لتجنب‏ خطط‏ الاغتيال‏ الممكن‏ تحديدها.


ولكننا‏ سنحاول‏ الإلمام بالمشترك‏ في‏ سلوك‏ هؤلاء، وضبط‏ المتغيرات‏ على‏ ثابت‏ أساسي‏ في‏ القوانين‏ التي‏ تتحكم‏ بحركة‏ الصراع، وعدم‏ فسح‏ المجال‏ لعنصر‏ المفاجأة‏ ليباغتنا‏ ونحن‏ عنه‏ ذاهلون.



فرضية‏ الدراسة


تنطلق‏ هذه‏ الدراسة‏ من‏ سؤال‏ هام: ‏ما‏ هو‏ العامل‏ الذاتي‏ في‏ نجاح‏ عمليات‏ الاغتيال، أي‏ كيف‏ سمح‏ الشهيد‏ للموساد‏ بالوصول‏ إليه، بغض‏ النظر‏ عن‏ قدرات‏ الموساد‏ والوسائل‏ التي‏ اتبعها‏ في‏ تنفيذ‏ عملياته، ‏وكذلك‏ ما‏ هو‏ العامل‏ الموضوعي‏ في‏ نجاح‏ عمليات‏ الاغتيال، ‏أي‏ ما‏ هي‏ الظروف‏ المحيطة‏ بالشهيد‏ التي‏ استطاع‏ الموساد‏ أن‏ ينفذ‏ جرائمه‏ في‏ مجالها محاولين‏ ملامسة‏ نقاط‏ الضعف‏ الذاتية‏ والموضوعية، لعل‏ المناضلين‏ يتجنبوها‏ في‏ حربهم‏ المستعرة‏ مع‏ عدو‏ شرس‏ يقظ‏ لا‏ تضبطه‏ أخلاقيات‏ أو‏ معايير‏ إنسانية.


إن‏ الفرضية‏ التي‏ تنطلق‏ منها‏ هذه‏ الدراسة‏ هي‏ أن‏ العدو‏ نفذ‏ من‏ خلال‏ وجود‏ نقاط‏ ضعف‏ على‏ المستوى‏ الشخصي‏ والتنظيمي‏ والأمني‏ لدى‏ الحالات‏ التي‏ استطعنا‏ حصرها وسنعتمد‏ في‏ مناقشة‏ هذه‏ الفرضية‏ على:


1) ‏دراسة‏ تحليلية‏ لكل‏ من‏ تعرض‏ للاغتيال‏ أو‏ لمحاولة‏ اغتيال، ‏على حدة.

2) ‏دراسة‏ الوضع‏ التنظيمي‏ الذي‏ كان‏ الشخص‏ موضوع‏ الدراسة‏ يتحرك‏ في‏ إطاره.
3) ‏دراسة‏ الظرف‏ الذي‏ عاش‏ فيه‏ الشخص‏ موضوع‏ الدراسة.
4) دراسة‏ السلوك‏ الأمني‏ للشخص‏ موضوع‏ الدراسة. ‏
5) سنأخذ‏ النتائج‏ التي‏ نخلص‏ إليها من‏ دراسة‏ كل‏ حالة‏ على حدة، ‏ونربط‏ بين‏ هذه‏ النتائج‏ للوصول‏ إلى تفسير‏ للظاهرة‏ بشكل‏ كلي‏ واضح.
6) ‏الاعتماد‏ على القوانين‏ الثورية‏ التي‏ تشكل‏ الركائز‏ الأساسية‏ في‏ معركتنا‏ مع‏ الصهاينة.
7) ‏الاستهداء‏ بالقول‏ الإلهي في‏ توصيف‏ طبيعة‏ اليهود‏ الغادرة.













الفصل‏ الأول

رؤية‏ في‏ تاريخ‏ الاغتيالات

تستخدم‏ الاغتيالات‏ منذ‏ فجر‏ التاريخ‏ في‏ الصراعات‏ السياسية، ولكن‏ اليهود‏ معروفون‏ باللجوء‏ إلى الاغتيال‏ كأسلوب‏ قذر‏ في‏ حربهم‏ ضد‏ خصومهم، بل‏ هم‏ اغتالوا‏ الأنبياء‏ والرسل.


كما‏ يخبرنا‏ القرآن‏ الكريم لأن‏ اليهود‏ يعتبرون، في‏ تعاليم‏ التلمود‏ وتفسيراتهم‏ للتوراة، ‏أن‏ من‏ حقهم‏ اللجوء‏ إلى أي‏ أسلوب‏ يساعدهم‏ في‏ بسط‏ نفوذهم‏ على‏ الآخرين‏ وتحقيق‏ مصالحهم، منطلقين‏ من‏ تصنيفهم‏ العنصري‏ للبشر؛‏ حيث‏ اليهودي‏ هو‏ الأفضل‏ والأرقى‏ (شعب‏ الله‏ المختار) ‏، الآخرون‏ هم‏ "الغوييم"، أي‏ الأغيار‏ الذين‏ لا‏ يمتلكون‏ صفة‏ البشرية‏ الكاملة، وليس‏ لهم‏ بالتالي‏ حرمة‏ في‏ أرواحهم‏ وأموالهم، ومن‏ حق‏ اليهودي‏ قتل‏ غير‏ اليهودي‏ وسلبه‏ ماله‏ وخداعه، ‏لمجرد‏ كونه‏ غير‏ يهودي.


اغتيال‏ يحيى‏ وزكريا:

لقد‏ قتل‏ اليهود‏ نبي‏ الله‏ زكريا‏ عليه‏ السلام‏ بأبشع‏ صورة، فشقوه‏ نصفين‏ بالمنشار، ‏وقتلوا‏ نبي‏ الله‏ يحيى‏ بن‏ زكريا‏ وهو‏ قائم‏ يصلي‏ في‏ المحراب، ‏فذبحوه‏ وقدموا‏ رأسه‏ على‏ طبق‏ للحاكم‏ الروماني.

محاولة‏ اغتيال‏ الرسول صلى الله عليه وسلم:

وحاولوا‏ قتل‏ نبي‏ الله‏ محمد‏ صلى الله عليه وسلم ، ‏وكان‏ قد ذهب‏ إليهم في‏ بني‏ النضير‏ في‏ دية‏ قتيلين، فقال‏ اليهود‏ بمكر ‏يا‏ أبا‏ القاسم‏ نعينك‏ على‏ ما‏ أحببت‏ مما‏ استعنت‏ بنا‏ عليه، ‏وعندما‏ وجدوا‏ فراغاً‏ أمنياً؛‏حيث‏ كان‏ الرسول‏ لوحده، ولم‏ يكن‏ أحد‏ من‏ أصحابه‏ معه، خلوا‏ إلى بعضهم‏ بعضاً، ‏ووجدوا‏ الفرصة‏ مؤاتية، ‏وقالوا ‏إنكم‏ لن‏ تجدوا‏ الرجل‏ على مثل‏ حاله‏ هذا، ‏والرسول‏ صلى الله عليه وسلم ‏متكئ‏ على جدار‏ من‏ بيوتهم، وتآمروا‏ أن‏ يعلو‏ أحدهم‏ سطح‏ ذلك‏ البيت‏ فيلقي‏ على رسول‏ الله‏ صلى الله عليه وسلم ‏صخرة، "فيريحنا‏ منه" كما‏ قالوا، فانتدبوا‏ لذلك‏ عَمْراً‏ بن‏ جحاش‏ بن‏ كعب، فقال ‏أنا‏ لذلك، ‏وصعد‏ ليلقي‏ عليه‏ الصخرة‏ فيقتله، فأتى‏ الخبر‏ من‏ السماء‏ للرسول‏ صلى الله عليه وسلم، فقام‏ وخرج‏ راجعاً‏ إلى المدينة.

اغتيال‏ شعب:

وفي‏ القرن‏ العشرين، بدأت‏ مأساة‏ شعبنا‏ الفلسطيني، عندما‏ سلط‏ الغرب‏ الاستعماري‏ الصهاينة‏ على‏ الأمة‏ العربية‏ والإسلامية، فيحولوا‏ بدسائسهم‏ ومكرهم‏ وإجرامهم‏ دون‏ أن‏ يجد‏ العرب‏ والمسلمون‏ فرصة‏ ليتخلصوا‏ من‏ شرور‏ الاستعمار، ‏وبدأ‏ الصهاينة‏ في‏ التآمر‏ على‏ أمتنا‏ لاغتيال وجودها، ‏فلم‏ تكن‏ حوادث‏ الاغتيال‏ التي‏ نفذوها‏ ضد‏ شعبنا‏ مجرد‏ حوادث‏ اغتيال‏ فردية، في‏ سياق‏ الصراع‏ السياسي، ولكنها‏ كانت‏ حلقة‏ من‏ مسلسل‏ اغتيال‏ شعب‏ كامل‏ هو‏ الشعب‏ الفلسطيني‏ واغتيال‏ هوية‏ أمة‏ هي‏ الهوية‏ الإسلامية العربية.


اغتيال‏ الوسيط‏ الأممي:

عين‏ مجلس‏ الأمن‏ الدولي‏ في 20/5/1948م، الكونت‏ السويدي‏ "فولكي‏ برنادوت" كوسيط‏ دولي‏ في‏ الصراع‏ العربي‏ الإسرائيلي ، ‏وقد‏ اغتيل‏ برنادوت‏ 17/9/1948 في‏ القدس‏ على‏ يد‏ وحدة‏ كوماندوز‏ من‏ حركة‏ "ليحي" "أي‏ محاربي‏ إسرائيل" الإرهابية التي‏ كان‏ اسحق‏ شامير‏ رئيس‏ الوزراء‏ الإسرائيلي السابق‏ أحد‏ قادتها، وكانت‏ هذه‏ الحركة‏ تأخذ‏ على‏ الدبلوماسي‏ الدولي‏ أنه‏ أراد‏ تعديل‏ خطة‏ التقسيم‏ التي‏ اعتمدتها‏ الأمم‏ المتحدة‏ في‏ 29/10/1947م، ‏مما‏ أعتبره‏ الصهاينة‏ تعديلاً‏ لصالح‏ العرب. وقد‏ قتل‏ في‏ عملية‏ الاغتيال‏ هذه‏ أيضاً‏ ضابط‏ فرنسي‏ كبير‏ هو‏ العقيد‏ "أندريه‏ سيروا" وكان‏ القادة‏ الإسرائيليون السياسيون‏ على‏ دراية‏ بعملية‏ الاغتيال‏ هذه.

اغتيال‏ العلماء‏:

شهدت‏ نهاية‏ الحرب‏ العالمية‏ الثانية، ‏سقوط‏ ألمانيا‏ النازية، ‏وفرار‏ عدد‏ من‏ العلماء‏ الألمان‏ إلى القاهرة وحاول‏ جمال‏ عبد الناصر، ‏بعد‏ ثورة‏ يوليو‏ الاستفادة‏ من‏ بعض‏ هؤلاء‏ العلماء‏ لبناء‏ مصانع‏ لإنتاج الأسلحة‏ وتكنولوجيا‏ الحرب‏ المتطورة وخشي‏ الصهاينة‏ من‏ طموحات‏ عبد الناصر‏ لبناء‏ دولة‏ قوية‏ تهدد‏ وجودهم‏ واحتلالهم‏ لفلسطين، وقرر‏ الموساد‏ الإسرائيلي القيام‏ بخطوات‏ استباقية‏ لتدمير‏ هذا‏ المشروع‏ في‏ المهد، ‏وقام‏ بإرسال طرود‏ ملغومة‏ لقتل‏ العلماء، فأصيب‏ البروفيسور‏ ولفغانغ‏ بيلز بجروح‏ خطيرة‏ وقتلت‏ سكرتيرته‏ في‏ انفجار‏ طرد‏ ملغوم، ‏وقتل‏ خمسة‏ من‏ العمال‏ المصريين‏ في‏ انفجار‏ طرد‏ ملغوم‏ في‏ مصنع‏ صواريخ‏ "هيليو بوليس".

اغتيال‏ يحيى‏ المشد:

وهناك‏ الكثير‏ من‏ الشكوك‏ حول‏ ضلوع‏ الصهاينة‏ في‏ اغتيال‏ بعض‏ العلماء‏ العرب‏ في‏ دول‏ أوروبا الغربية‏ وأميركا‏ الشمالية، ‏وقد‏ تأكد‏ دور‏ الموساد‏ الإسرائيلي في‏ اغتيال‏ العالم‏ المصري‏ الشهير يحيى‏ المشد، وهو‏ أحد‏ أبرز‏ علماء‏ الفيزياء‏ النووية، وكان‏ يدير‏ في‏ باريس‏ صفقة‏ مع‏ "مصنع‏ سارسيل" لشراء‏ كمية‏ من‏ اليورانيوم‏ لاستخدامها‏ في‏ بناء‏ المفاعل‏‏ الذري‏ العراقي وقد‏ استطاع‏ الموساد‏ الاطلاع‏ على‏ تيليكسات‏ تذكر‏ تفاصيل‏ برنامج‏ سفر‏ المشد‏ والمكان‏ الذي‏ سينزل‏ فيه‏ "وهو‏ الغرفة‏ 9041 في‏ فندق‏ الميريديان‏ بباريس" ‏مما‏ سهل‏ عليهم‏ وضع‏ أجهزة‏ تنصت‏ في‏ غرفته‏ قبل‏ وصوله وتسلل‏ اثنان‏ من‏ عملاء‏ الموساد‏ إلى غرفته‏ وهو‏ نائم، ‏وذبحاه، وفي‏ صباح‏ 13/6/1980م، ‏عثر‏ على جثته‏ غارقة‏ في‏ الدماء.

اغتيال‏ الأسرى‏:

بعد‏ احتلال‏ الضفة‏ الغربية‏ وقطاع‏ غزة‏ عام‏1967 م، شهد‏ قطاع‏ غزة‏ حرب‏ عصابات‏ باسلة‏ شنها‏ مجاهدو‏ شعبنا‏ ضد‏ الاحتلال وقد‏ لجأت‏ أجهزة‏ الموساد‏ الإسرائيلية إلى حرب‏ الاغتيالات‏ ضد‏ المناضلين، في‏ محاولة‏ من‏ الاحتلال‏ للقضاء‏ على‏ جذوة‏ الثورة وعمد‏ الاحتلال‏ إلى تصفية‏ الأسرى، ‏وهذا‏ مخالف‏ لقوانين‏ الحرب‏ في‏ كل‏ الشرائع‏ واللوائح‏ الدولية.

لقد‏ قام‏ جهاز‏ الـ‏ "شين‏ بيت" بإلقاء القبض‏ على‏ المجاهد‏ عبد ربه‏ عفانة، اثر‏ قيامه‏ بعملية‏ عسكرية، وتمت‏ تصفيته‏ مباشرة وألقي‏ القبض‏ على‏ الشهيد‏ محمد‏ أبو‏ جامع‏ بعد‏ خطف‏ باص‏ في‏ تل‏ أبيب، وأعدم‏ على‏ الفور وألقي‏ القبض‏ على‏ الشهيد‏ مصباح‏ الصوري‏ بعد‏ اشتباك‏ مع‏ حاجز‏ عسكري‏ في‏ غزة، وأعدم‏ فوراً‏ بعد‏ استجوابه. وأعدم‏ الشهيد‏ حسن‏ أبو‏ ركبة‏ بعد‏ استكمال‏ التحقيق‏ معه، ‏خارج‏ السجن‏ غربي‏ جباليا.


وأعدم‏ الشهيد‏ عطية‏ الزعانين‏ أثناء‏ التحقيق‏ بعد‏ أن‏ عجز‏ المحققون‏ عن‏ انتزاع‏ معلومات‏ منه وأعدم‏ الشهيد‏ خالد‏ الشيخ‏ علي‏ بطل‏ عملية‏ الشيخ‏ عجلين‏ في‏ التحقيق وأعدم‏ الشهيد‏ صبحي‏ أبو‏ ضاحي‏ على‏ باب‏ منزله، ‏وأعدم‏ الشهيد‏ موسى المقيد‏ على‏ بعد‏ أمتار‏ من‏ منزله وأعدم‏ الشهيد‏ وصفي‏ أبو‏ دية‏ على‏ باب‏ منزله.


واغتيل الشهيدان‏ عبد القادر‏ أبو‏ الفحم‏ وراسم‏ حلاوة‏ في‏ إضرابات السجون واغتيل الشهداء‏ خميس‏ عليان‏ وعيسى‏ أبو‏ لغد‏ وحمزة‏ المحلاوي‏ بانفجار‏ عبوات‏ مفخخة‏ في‏ نقاط‏ مميتة.


وقد‏ أعلنت‏ مؤسسة‏ التضامن‏ الدولي‏ في‏ بيان‏ لها‏ وزعته‏ يوم‏ 10/12/1994م ، ‏أن‏ عدد‏ المعتقلين‏ الفلسطينيين‏ الذين‏ استشهدوا‏ داخل‏ سجون‏ الاحتلال‏ بسبب‏ التعذيب‏ وقسوة‏ أساليب‏ التحقيق‏ منذ‏ اندلاع‏ الانتفاضة‏ بلغ‏ 35 ‏شهيداً، حيث‏ سجل‏ العام‏ الأول‏ للانتفاضة‏ أعلى‏ نسبة‏ من‏ الشهداء‏ الذين‏ سقطوا‏ داخل‏ السجون‏ وبلغ‏ عددهم‏21 ‏شهيداً.


اغتيال‏ المفكرين‏ والمثقفين‏ والسياسيين:

لم‏ يكن‏ ناجي‏ العلي‏ يحمل‏ رشاشاً‏ أو‏ بندقية، ‏ولكنه‏ كان‏ مناضلاً، ‏لم‏ يحمل‏ سوى‏ الحب‏ الغامر‏ للإنسان ولوطنه، ‏ولكن‏ عواصم‏ الوطن‏ العربي‏ الكبير‏ لم‏ تتسع‏ لجرأته‏ ورأيه‏ الحر‏ الذي‏ كتبه‏ بريشته‏ في‏ رسومه‏ الكاريكاتورية‏ الحزينة، فهاجر‏ إلى لندن، ‏وكانت‏ رسومه‏ تعبيراً‏ حياً‏ عن‏ كل‏ ما‏ هو‏ ممنوع‏ ومقموع‏ في‏ قلب‏ كل‏ عربي، ولذلك‏ خافت‏ من‏ رسوماته‏ الأنظمة، وأفزع‏ صوته‏ الصهاينة لقد‏ كانت‏ رسوماته‏ ثورة، فبدأ‏ الموساد‏ يخطط‏ لوسيلة‏ مناسبة‏ لتنفيذ‏ عملية‏ اغتيال‏ ناجي‏ العلي ولأن‏ بعض‏ القيادات‏ في‏ منظمة‏ التحرير‏ الفلسطينية‏ كانت‏ تكن‏ لناجي‏ العلي‏ كراهية‏ شديدة‏ بسبب‏ جرأته‏ وفضحه‏ لكل‏ ما‏ هو‏ سلبي، ‏مما‏ كان‏ يطال‏ هذه‏ القيادات‏ برذاذ‏ الفضيحة، استغل‏ الموساد‏ هذه‏ الثغرة، وأرسلوا مجموعة‏ اخترقت‏ جهاز‏ الأمن‏ "الرئاسي" الفلسطيني‏ المعروف‏ باسم‏ قوات‏17، ‏وأوحت‏ للمسؤولين‏ ضرورة‏ اغتيال‏ ناجي‏ العلي، ‏وقتلوه‏ بأيد‏ فلسطينية، فكانت‏ تلك‏ أول‏ عملية‏ مشتركة‏ بين‏ الموساد‏ الإسرائيلي وأجهزة‏ فلسطينية.

وقبلها‏ كان‏ الموساد‏ قد‏ أرسل‏ رسالة‏ مفخخة‏ لأنيس‏ الصايغ‏ مؤسس‏ ورئيس‏ مركز‏ الدراسات‏ الفلسطينية‏ الذي‏ كان‏ أهم‏ مركز‏ أبحاث‏ فلسطيني، ‏ولكنه نجى بأعجوبة وكذلك‏ تم‏ اغتيال‏ كمال‏ ناصر‏ وغسان‏ كنفاني، وعبد الوهاب‏ الكيالي‏ الذي‏ ترأس‏ مركز‏ الدراسات‏ الفلسطينية‏ بعد‏ أنيس‏ صايغ.









الفصل‏ الثاني

قوانين‏ الصراع
مدخل

اغلب‏ حالات‏ الاغتيال‏ التي‏ نفذها‏ الموساد‏ الإسرائيلي ضد‏ مفكرين‏ ومثقفين‏ وسياسيين‏ وعسكريين‏ حدثت‏ خارج‏ فلسطين، وليس‏ في‏ داخلها صحيح‏ أن اغلب‏ هؤلاء‏ كانوا‏ يخوضون‏الصراع‏ بطريقتهم، ضد‏ الصهيونية، ‏ولكنهم‏ لم‏ يكونوا‏ مقاتلين‏ ميدانيين، ولذا‏ فإن‏ عمليات‏ الاغتيال‏ في‏ هذه‏ الحالة‏ تجد‏ تفسيرها‏.


أولاً: ‏في‏ إيلاء الصهاينة‏ أهمية‏ لدور‏ الفكر‏ والثقافة‏ في‏ المعركة‏ وتنبههم‏ لهذا‏ الدور‏ أكثر‏ من‏ الفلسطينيين‏ الذين‏ لم‏ يتعاملوا‏ مع‏ المثقف‏ سوى‏ على‏ أنه‏ بوق‏ للمؤسسة‏ أو‏ مجرد‏ رجل‏ إعلام.


‏وثانياً: ‏لأن‏ بعض‏ هؤلاء‏ المثقفين‏ كان‏ يمارس‏ دوراً‏ تنظيمياً‏ إلى جانب‏ اختصاصه‏ الثقافي، وربما‏ ثالثاً: ‏في‏ محاولة‏ من‏ الصهاينة‏ لإعطاء‏ مؤسسة‏ الموساد‏ بعداً‏ إعلامياً‏ وضجيجاً‏ يسببه‏ اغتيال‏ الشخصيات‏ الثقافية‏ البارزة، ‏بغرض‏ إضفاء الهيبة‏ والقدرة‏ الأسطورية لأجهزة‏ الموساد ولكن‏ الواضح‏ أن أغلب‏ حالات‏ الاغتيال‏ نجحت‏ في‏ ظل‏ سيادة‏ حالة‏ من‏ الاسترخاء‏ التام، ‏والتي‏ مكنت‏ لفرق‏ الاغتيال‏ التابعة‏ للموساد‏ من‏ تنفيذ‏ مآربها.


إن للاغتيال‏ وجهين، وجهاً‏ ذاتياً، ‏وآخر‏ موضوعياً.


الوجه‏ الذاتي : ‏يتعلق‏ بالمقومات‏ الذاتية‏ للإنسان المعرض‏ للاغتيال، ولشبكة‏ العلاقات‏ التنظيمية‏ التي‏ تحكم‏ وتنظم‏ مسار‏ حياته‏ وإطاره‏ المجتمعي‏ والسياسي، وقابليته‏ للفعل، ‏والتأثير‏ والتواصل‏ عبر‏ تسلحه‏ بقوانين‏ العمل‏ الثوري.


أما الوجه‏ الموضوعي : ‏فهو‏ الظرف‏ المحيط‏ بهذا‏ الشخص، وطريقة‏ عمل‏ العدو‏ وقدرته‏ من‏ الاستفادة‏ من‏ نقاط‏ قوته‏ في‏ مواجهتنا‏ بجوانب‏ ضعفنا، فعندما‏ تبدأ‏ مقدمات‏ نضالنا‏ بمقومات‏ ذاتية، ‏وبشبكة‏ علاقات‏ تنظيمية‏ وقابلية‏ للفعل‏ والتأثير‏ والتواصل‏ عبر‏ تسلحنا‏ بقوانين‏ العمل‏ الثوري، فان‏ الوجه‏ الذاتي‏ يكون‏ من‏ حيث‏ القوة‏ والتماسك‏ والصلابة‏ بحيث‏ يمكن‏ من‏ إفشال محاولات‏ الاغتيال، وفي‏ أقل‏ تقدير‏ فإنه‏ يحبطها‏ أو‏ يؤجلها‏ أو يجعل‏ نتائجها‏ مكلفة، بحيث‏ لا‏ يمكن‏ إن تقدم‏ الموساد‏ على‏ عملية‏ اغتيال، إلا‏ بعد‏ حسابات‏ معقدة‏ ودقيقة.






الباب‏ الأول

قوانين‏ العمل‏ الثوري
القانون‏ الأول : الفصل‏ بين‏ العمل‏ السري‏ والحياة‏ العلنية

نقصد‏ بالعمل‏ السري‏ مجمل‏ النشاطات‏ المتعلقة‏ بالعمل‏ ضد‏ الأهداف الصهيونية، وهذا‏ يحتاج‏ إلى :


1- ‏العمل‏ السري‏ : لا‏ يتم‏ في‏ مكاتب‏ علنية، بل‏ مكاتبه‏ ومقراته‏ يجب‏ إن تكون‏ في‏ شقق‏ مستأجرة‏ خاضعة‏ للمواصفات‏ الأمنية .


إن‏ قيادات‏ الفصائل‏ الفلسطينية‏ بعد‏ خروجها‏ من‏ مواقعها‏ في‏ خطوط‏ المواجهة‏ مع‏ العدو، ‏واستقرارها‏ في‏ العواصم‏ العربية‏ والأوروبية، بدأت‏ بفتح‏ مكاتب‏ ومقرات‏ لإدارة شؤون‏ عملها، وسميت‏ هذه‏ المكاتب‏ التي‏ انتشرت‏ كما‏ الفطر‏ بالدوائر، دائرة‏ المالية، ‏دائرة‏ التنظيم، دائرة‏ الأرض المحتلة، ‏دائرة‏ الأمن، أو‏ استأجرت‏ بناية‏ كاملة‏ وحصرت‏ فيها‏ أغلب‏ هذه‏ الدوائر، ‏واستمرت‏ هذه‏ المكاتب‏ على‏ حالها ألم‏ يحدث‏ فيها‏ تغيير‏ أو‏ تبديل ، إلا عندما‏ جاءت‏ الأزمة‏ المالية، فبدأت‏ بإغلاق‏ كثير‏ من‏ المكاتب، وكان‏ بإمكان ابن‏ الشارع‏ أو صاحب‏ البقالة‏ إن يعرف‏ المقرات‏ وأسماءها‏ وأمكنتها، وحتى‏ عناوين‏ قادتها.


إن هذه‏ المكاتب‏ المكشوفة‏ والمعروفة، تعتبر‏ مكاتب‏ ميتة، ولا‏ تصلح‏ للعمل‏ السري.


وأصبح‏ بإمكان أي عميل‏ للموساد، إن يسأل‏ عن‏ أي‏ مكتب‏ لتنظيم‏ ما‏ ليجد‏ عشرات‏ الأشخاص يتبرعون‏ في‏ إعطائه هذا‏ العنوان‏ من‏ دون‏ أيما حرج‏ أو مشقة.


إن العمل‏ السري، والقائمين‏ على‏ هذا‏ العمل‏ يجب‏ إن ينسحبوا‏ فوراً‏ من‏ هذه‏ المكاتب، لأنها لا‏ تصلح‏ للعمل‏ حتى‏ وإن‏ تحققت‏ عبرها نجاحات‏ هنا‏ أو هناك ، إن العمل‏ السري‏ في‏ العواصم‏ يجب‏ أن يكون‏ كما‏ العمل‏ السري‏ في‏ الداخل‏ الفلسطيني، ولذلك‏ يجب‏ أن لا‏ تكون‏ له‏ مقرات‏ ومكاتب‏ علنية‏ لا‏ ينقصها‏ سوى‏ تعليق‏ لافتات‏ عريضة‏ على‏ مداخلها‏ وأبراج‏ حراسة‏ خارج‏ بواباتها.


ب- أجهزة اتصال‏ العمل‏ السري‏ يجب‏ أن تكون‏ منفصلة‏ عن‏ أجهزة الاتصال‏ الشخصية : أجهزة الاتصال‏ الشخصية‏ غالباً‏ ما‏ تكون‏ معروفة‏ للأهل والأصدقاء، والأقرباء، الغرباء، وهي‏ أجهزة لها‏ علاقة‏ بالحياة‏ الاجتماعية‏ العامة‏ وهي‏ مفتوحة‏ على‏ الجميع‏ ومن‏ السهل‏ الحصول‏ على‏ أرقامها لذلك‏ فهي‏ لا‏ تصلح‏ للعمل‏ السري.


العمل‏ السري‏ يحتاج‏ إلى أرقام‏ سرية، لا‏ تعطى‏ لأحد ، واستخداماتها‏ لها‏ علاقة‏ بالعمل‏ فقط .

إن التداخل‏ بين‏ العمل‏ السري‏ والاتصال‏ الشخصي‏ في‏ رقم‏ واحد‏ محدد، ‏يخلق‏ كثيراً‏ من‏ الإشكاليات للعمل‏ ومستقبله، لذلك‏ فالعمل‏ الخاص‏ يحتاج‏‏ إلى أرقام خاصة‏ والحياة‏ الشخصية‏ تحتاج‏ إلى رقم‏ شخصي، ويجب‏ الفصل‏ بين‏ الاثنين.

ج- أجهزة اتصال‏ العمل‏ السري‏ يجب‏ إن تكون‏ منفصلة‏ عن‏ أجهزة اتصال‏ العمل‏ الإعلامي والسياسي :‏ أليس‏ غريباً‏ أنه‏ يندر‏ أن‏ تجد‏ للحركة‏ الثورية‏ رقماً‏ سرياً‏ لا‏ يعرفه‏ أحد؟‏ أليس‏ غريباً‏ أن تكون‏ غالبية‏ الأرقام‏ موزعة‏ على‏ الجميع‏ بدون‏ استثناء‏؟


إن محيط‏ العمل‏ الإعلامي يتوسع‏ ويتمدد‏ ويشمل‏ وكالات‏ الأنباء والصحف، ‏ومراسلي‏ شبكات‏ التلفزيون‏ ومراسلي‏ الجرائد، والمكاتب‏ الإعلامية والصحفية، عبر‏ العالم ولا‏ تقل‏ دائرة‏ العمل‏ السياسي‏ عن‏ هذا‏ المحيط وهذه‏ الدوائر، والصحف‏ والشبكات، والمراسلون، لا‏ يمكن‏ أن تكون‏ نقاوتهم‏ مضمونة، إن‏ لم‏ نقل‏ إن الصحافة‏ جاسوسية‏ مقنعة، لذلك‏ لا‏ يجوز‏ أن تدار‏ الاتصالات‏ للعمل‏ السري‏ من‏ نفس‏ الرقم‏ الذي‏ تدار‏ فيه‏ عمليات‏ الإعلام والصحافة، والسياسة ويجب‏ أن يكون‏ هناك‏ فصل‏ كامل‏ بين‏ أجهزة اتصال‏ العمل‏ السري‏ وأجهزة اتصال‏ العمل‏ الإعلامي والسياسي.


د- ‏المهتمون‏ بالعمل‏ السري‏ داخل‏ الأرض المحتلة‏ يجب‏ أن لا‏ يزاولوا‏ أية‏ وظائف‏ وأعمال‏ علنية : فالانشغال‏ بالعمل‏ السري‏ ومتابعته‏ داخل‏ الأرض المحتلة‏ يستوجب‏ ألا يكون‏ للقائمين‏ عليه‏ عناوين‏ ثابتة‏ وعلنية، لأنها تشكل‏ مقتلاً‏ لهم، والوظائف‏ والأعمال العلنية‏ تشكل‏ عنواناً‏ ثابتاً‏ وواضحاً‏ للقوى‏ المعادية‏ التي‏ تتربص‏ بالقائمين‏ على‏ متابعة‏ أوضاع‏ الداخل مما‏ تمنحها‏ فرصة‏ اصطيادهم، وربما‏ تكون‏ الوظيفة‏ أو‏ العمل‏ العلني‏ ساتراً‏ للعمل‏ الخاص، ولكن‏ أية‏ خيوط‏ اعتراف‏ على‏ أية‏ عمليات‏ في‏ الداخل‏ ستتركز‏ حول‏ هذا‏ العنوان، ومن‏ هنا‏ ستكون‏ المقتل‏ المباشر‏ للشخص.


إن طبيعة‏ العمل‏ الخاص‏ ومتابعة‏ أوضاع‏ الداخل‏ تحتاج‏ إلى حياة‏ موازية‏ لهذا‏ العمل، ‏وليس‏ بالضرورة‏ أن يكون‏ هؤلاء‏ الاخوة‏ مكشوفين‏ بشكل‏ دائم‏ ومعروفين‏ للجميع، ‏وكما‏ أن هذا‏ العمل‏ أو الدائرة‏ المسؤولة‏ عن‏ هذا‏ العمل‏ يجب‏ أن تنفصل‏ عن‏ مقرات‏ ومؤسسات‏ الحركة‏ الثورية، فإن‏ القائمين‏ عليها‏ يجب‏ المحافظة‏ على‏ سريتهم.


هـ - ‏اللقاءات‏ تتم‏ في‏ أماكن متغيرة :‏ وشقق‏ مستأجرة‏ تبدل‏ كل‏ فترة، متابعة‏ أوضاع الداخل‏ تتمحور‏ حول‏ كثير‏ من‏ العناوين، ‏وبعض‏ هذه‏ العناوين‏ هي‏ التجنيد، والتدريب، والرسل، ‏فهؤلاء‏ الاخوة‏ الذين‏ تم‏ تجنيدهم‏ في‏ الساحات‏ وأرسلوا للمتابعة‏ وترتيب‏ مهماتهم، والقادمون‏ من‏ الداخل‏ لتلقي‏ دورات‏ عسكرية، والرسل‏ القادمون‏ لتسليم‏ واستلام‏ الرسائل جميع‏ هؤلاء‏ يجب‏ أن يعزلوا‏ عن‏ الإطار العام‏ للحركة، وأن‏ يبتعدوا‏ عن‏ المقرات‏ العلنية‏ لكي‏ لا‏ يتعرف‏ عليهم‏ أحد، ولكي‏ لا‏ يتعرفوا‏ على‏ أحد لقد‏ حضروا‏ لمهمات‏ لذلك‏ يجب‏ أن يقيموا‏ في‏ شقق‏ بعيدة‏ عن‏ الأعين، ‏حيث‏ تتم‏ معهم‏ إجراءات وترتيبات‏ خاصة.


وبعد‏ انتهاء‏ هذه‏ الترتيبات‏ يعود‏ كل‏ إلى مكان‏ التوجه، ‏وهو‏ لا‏ يعرف‏ شيئاً، ولم‏ يتعرف‏ على‏ شيء‏ أكثر‏ من‏ مهمته‏ ودوره، ويتم‏ دورياً‏ تغيير‏ هذه‏ الأمكنة، وتبديل‏ هذه‏ الشقق.

إن انفتاح‏ المجندين‏ الجدد‏ أو‏ القادمين‏ للتدريب‏ أو‏ الرسل‏، على‏ الأوضاع العلنية‏ للحركة، والاختلاط مع‏ كثير‏ من‏ الفضوليين‏ والثرثارين‏ وربما‏ اخوة‏ من‏ الداخل‏ سيكشف‏ هؤلاء‏ الأخوة، ‏‏ وفي‏ هذه‏ الفترة‏ سيكونون‏ قد‏ تعرفوا‏ على‏ أوضاع الحركة‏ الداخلية، وتعرفوا‏ على‏ اغلب‏ الاخوة‏ وعرفوا‏ أسماءهم الحقيقية، ومنازلهم، ومع‏ أول اعتراف‏ لدى‏ العدو‏ ستكون‏ صورة‏ الخارج‏ مرسومة‏ لديهم، ‏بدقة‏ وتفاصيل‏ متناهية، ‏آلية‏ العمل، ‏طريقة‏ التفكير، الأسماء، العناوين، أرقام‏ الهواتف، وبالتأكيد‏ ستستفيد‏ الموساد‏ من‏ هذه‏ المعلومات‏ بطريقة‏ ما.

و- ‏العمل‏ الخاص‏ يجب‏ أن لا يتعامل‏ بالحسابات‏ البنكية‏ بشكل‏ روتيني البنوك‏ ، والمصارف‏ هي‏ إحدى الطرق‏ المعتمدة‏ لدى‏ الفصائل‏ لإرسال الأموال من‏ قيادات‏ هذه‏ الحركات‏ إلى مراكزها‏ وكوادرها‏ في‏ الداخل ومن‏ هنا‏ فإن‏ الأجهزة الاستخبارية‏ التي‏ لها‏ عناصر‏ في‏ هذه‏ البنوك‏ تهتم‏ بمعرفة‏ حركة‏ وتنقل‏ هذه‏ الأموال، ‏ومصادرها‏ ومقدار‏ المبالغ‏ المتحركة، وأسماء‏ الوكلاء‏ الذين‏ تحول‏ المبالغ‏ على‏ أرقام‏ حسابهم‏ وأسمائهم ومن‏ هنا‏ يتجمع‏ لديهم‏ قدر‏ كبير‏ من‏ المعلومات‏ الأمنية‏ الخطيرة‏ حول‏ علاقة‏ الخارج‏ بالداخل، ‏وحول‏ الأسماء الأساسية‏ في‏ الداخل‏ التي‏ لها‏ علاقة‏ بالعمل.


وعبر‏ التبادل‏ الأمني‏ بين‏ العديد‏ من‏ الدول‏ التي‏ ترى‏ في‏ الكفاح‏ الفلسطيني‏ خطراً، ‏تقدم‏ الأجهزة الاستخبارية‏ هذه‏ المعلومات‏ إلى أطراف أخرى‏ لها‏ مصالح‏ معها لتصب‏ في‏ نهاية‏ المطاف‏ لدى‏ الموساد‏ الذي‏ يستفيد‏ من‏ هذه‏ المعلومات‏ في‏ ضرب‏ نشطاء‏ وكوادر‏ الحركة‏ في‏ الداخل.


ولقد‏ نشأ‏ تقليد‏ لدى‏ الفصائل‏ الفلسطينية، ‏بأن‏ المال‏ يكون‏ دوماً‏ في‏ يد‏ الأمين العام‏ أو‏ من‏ يثق‏ به‏ من‏ أعضاء المكتب‏ السياسي‏ أو‏ اللجنة‏ المركزية، أو المقربين، ولكن‏ لا‏ يصرف‏ أي‏ مبلغ‏ إلا بقرار‏ من‏ الأمين‏ العام‏ نفسه، ‏ومن‏ هنا‏ فإن‏ حركة‏ المال‏ عبر‏ البنوك‏ من‏ رقم‏ حساب‏ خاص‏ معروف‏ بأنه‏ لزعيم‏ فصيل‏ فلسطيني، سيؤكد‏ بالضرورة‏ أن‏ هذا‏ المال‏ خاص‏ بإطار سياسي‏ أو‏ عسكري، ‏وانه‏ في‏ طريقه‏ إلى الداخل‏ لتمويل‏ نشاطات‏ ضد‏ "إسرائيل"، ومن‏ هنا‏ فإن‏ حركة‏ المال‏ في‏ البنوك‏ تحتاج‏ إلى وقفة‏ ودراسة.


القانون‏ الثاني: التغيير‏ المستمر‏ وعدم‏ الركون‏ للروتين‏ والحياة‏ المنتظمة


إن أزمة‏ العمل‏ الثوري‏ تتجلى‏ في‏ إيجاد مقرات‏ شمولية‏ ثابتة‏ لإدارة‏ العمل، ‏ومن‏ هذا‏ الثبات‏ والشمولية، ‏أصبح‏ الجميع‏ محكوماً‏ بآليات‏ الروتين، والحياة‏ المنتظمة، فالدوام‏ الثابت‏ في‏ المقرات‏ أولى‏ هذه‏ اللعنات، ومن‏ خلال‏ الدوام‏ الثابت‏ يترسخ‏ الروتين، فساعات‏ خروج‏ أي‏ أخ‏ من‏ منزله‏ والعودة‏ إليه تصبح‏ ثابتة، وساعات‏ الذهاب‏ إلى المقرات‏ والخروج‏ منها‏ ثابتة، وطرق‏ التنقل‏ من‏ المقرات‏ إلى المنازل‏ راجلاً‏ أو‏ راكباً‏ ثابتة، ووسائل‏ النقل‏ أو السيارات‏ التي‏ ترتاد‏ هذه‏ المقرات‏ بشكل‏ يومي‏ تصبح‏ مميزة‏ وثابتة، وأرقام هواتف‏ المقرات‏ ثابتة، وأرقام الحسابات‏ والتعاملات‏ البنكية‏ ثابتة، ‏والوجوه‏ المترددة‏ على‏ المقرات‏ ثابتة.


هذا‏ النمط‏ من‏ الثبات، يخلق‏ حالة‏ من‏ التقليد، يطوع‏ الأنفس‏ ويشكل‏ منظومة‏ حياتها‏ وفق‏ انتظام‏ وإيقاع بالدوام‏ تتحول‏ من‏ مسألة‏ قانون‏ مفروض‏ إلى مسألة‏ تكيف‏ سيكولوجي‏ لا‏ إرادي، فلو‏ لم‏ يكن‏ مفروضاً‏ عليه‏ الذهاب، سيجد‏ نفسه‏ ذاهباً‏ بحكم‏ النمط‏ والعادة، المكاتب‏ تقتل‏ المناضلين، وتقهرهم، وتحولهم‏ من‏ كائنات‏ حية‏ مفكرة‏ لها‏ أحلام، ‏ومشاعر‏ وآراء‏ وتاريخ‏ شخصي‏ إلى مجرد‏ أدوات وأشياء وجسور‏ مرحلة، يتحول‏ فيها‏ الثوري‏ إلى موظف، والمناضل‏ إلى محبط، والمقاتل‏ إلى مهاجر فالمكاتب‏ تحتاج‏ "أزلاماً" لا‏ ثواراً، أتباعاً‏ لا‏ أحراراً، كتبة‏ لا‏ مثقفين، ‏‏مبررين‏ لا‏ منظرين، إمعات‏ لا‏ رجالاً. الدوام‏ ساعات‏ والعمل‏ دقائق‏ وعجلة‏ الزمن‏ تدور‏ لكي‏ يحصد‏ أطراف الصراع‏ نتائج‏ أعمالهم عبر‏ لعبة‏ الاغتيال‏ التي‏ تظهر‏ فيها‏ جثة‏ الشهيد‏ ويغيب‏ فيها‏ الجاني.


منذ‏ اكثر‏ من‏ قرن‏ والصهيونية‏ تقود‏ معركة‏ للقضاء‏ علينا‏ حضارياً، ‏وتاريخياً‏ وجغرافياً، للقضاء‏ على‏ هويتنا‏ ووجودنا‏ ومستقبلنا‏ ومصادرة‏ حقنا‏ في‏ الحياة لقد‏ تعاقب‏ منهم‏ على‏ تنفيذ‏ هذه‏ الأهداف في‏ النصف‏ الأخير من‏ هذا‏ القرن‏ عشرات‏ الزعماء‏ ومئات‏ القادة‏ والجنرالات‏ وآلاف‏ الجنود‏ والمنفذين، بأساليب‏ متغيرة‏ ومتجددة، بينما‏ نحن‏ في‏ الجانب‏ الآخر‏ نعيش‏ حياة‏ الثبات‏ ولم‏ يتغير‏ لدينا‏ شيء فالذي‏ عاصر‏ النضال‏ ضد‏ بن‏ غوريون‏ هو‏ نفسه‏ الذي‏ يعاصر‏ السلام‏ مع‏ رابين: ‏وعلى‏ امتداد‏ جغرافيا‏ المنطقة‏ لن‏ تجد‏ فرقاً‏ بين‏ سيكولوجيا‏ قيادة‏ الأنظمة الساقطة، وسيكولوجيا‏ قيادة‏ الفصائل‏ الصاعدة ولكن‏ المفارقة‏ الغريبة‏ أن زوال‏ أية‏ شخصية‏ إسرائيلية وبروز‏ شخصية‏ جديدة‏ يزيد‏ الكيان‏ الصهيوني‏ دماء جديدة‏ تدفعه‏ إلى مزيد‏ من‏ التوسع‏ والعدوان، بينما‏ مصير‏ كثير‏ من‏ الأنظمة ومصير‏ كثير‏ من‏ الفصائل‏ الفلسطينية‏ مرتبط‏ فقط‏ بعمر‏ الزعيم.


إن أول‏ قاعدة‏ تقوم‏ عليها‏ الثورة‏ هي‏ التغيير، ‏وأول‏ تعريف‏ للثورة‏ هو‏ التغيير فكيف‏ بثورة‏ منذ‏ انطلاقتها‏ قبل‏ أكثر‏ من‏ ربع‏ قرن‏ وحتى‏ الآن، ‏لم‏ يتغير‏‏ فيها‏ لا‏ نمط‏ قيادة‏ ولا‏ قياديون، لا‏ مكاتب‏ ولا‏ مقرات، لا‏ طرق‏ عمل‏ ولا‏ منهج‏ تفكير، فقط‏ التغيير‏ الذي‏ حدث‏ هو‏ تحول‏ الثوار‏ إلى تجار‏ في‏ أسواق المال‏ والسياسة، وتحول‏ الرمز‏ المنقذ‏ والمخلص، والقائد‏ الملهم‏ إلى دكتاتور‏ متسلط، وتحول‏ التنظيمات‏ من‏ فصائل‏ لها‏ زعماء‏ إلى زعماء‏ لهم‏ تنظيمات.


التغيير‏ هو‏ سنة‏ الحياة، والذين‏ يلوون‏ أعناقهم، ويقفون‏ أمام طبيعة‏ الأشياء وحركة‏ التاريخ‏ وسنن‏ الحياة‏ سيجدون‏ أنفسهم‏ في‏ نهاية‏ المطاف‏ في‏ زاوية‏ من‏ زوايا‏ النسيان، أو‏ في‏ مزبلة‏ من‏ مزابل‏ التاريخ، أو جثثاً‏ مشوهة‏ في‏ مسرحية‏ الاغتيال‏ التي‏ تديرها‏ الموساد.


القانون‏ الثالث : اتخاذ‏ الحيطة‏ والإجراءات الأمنية‏ الضرورية


حتى‏ يتسنى‏ للإنسان اتخاذ‏ الحيطة‏ والإجراءات الأمنية يجب‏ منذ‏ البداية‏ التمييز‏ بين‏ عمل‏ عام‏ وعلني، ‏وبين‏ عمل‏ خاص‏ علني، ولذلك‏ لا‏ بد‏ من‏ الفصل‏ بين‏ المؤسسات‏ التي‏ لها‏ علاقة‏ بالعمل‏ العلني‏ العام، ‏والمؤسسات‏ التي‏ لها‏ علاقة‏ بالعمل‏ غير‏ العلني‏ والسري، وهذا‏ الفصل‏ يجب‏ أن يكون‏ على‏ مستوى‏ المقرات، والوجود‏ والعلاقة‏ والعمل، الإجراءات الأمنية الواجب‏ اتخاذها‏ كأجراء‏ دائم:


ا- ‏كشف‏ المراقبة : الموساد‏ تسعى‏ دوماً‏ لجمع‏ أكبر‏ قدر‏ من‏ المعلومات‏ عن‏ الحركة‏ الثورية، وأحد‏ الأساليب التي‏ تعتمدها‏ عبر‏ عملائها‏ المدربين‏ هو‏ مراقبة‏ الهدف، ‏ومعرفة‏ تحركاته، ومواعيده، وعلاقاته‏ وسلوكياته، والأمكنة التي‏ يتردد‏ عليها "والمراقبة‏ لها‏ أساليب وطرق، ‏وكشف‏ المراقبة‏ بأساليبها المختلفة، ‏والتملص‏ منها، والالتفاف‏ على‏ المراقبين‏ من‏ خلال‏ المراقبة‏ المضادة" (جميع‏ هذه‏ التفاصيل‏ سأحاول أن‏ أقدمها‏ في‏ دراسة‏ أخرى) ، ‏ولكن‏ ما‏ أحببت أن اذكره‏ هنا‏ لجميع‏ الاخوة‏ المطلوبين‏ للموساد، والاخوة‏ الذين‏ يقومون‏ بمهمات‏ حساسة‏ وخطيرة، والاخوة‏ العاملين‏ في‏ أي‏ حركة‏ ثورية، هو‏ أن يتخذوا‏ الحيطة‏ بشكل‏ دائم، ‏ومتجدد، ولا‏ يغيبنّ‏ عن‏ خاطر‏ أي‏ أخ‏ أن حركته‏ مطلوب‏ رأسها‏ وأن‏ كل‏ أخ‏ منا‏ مستهدف‏ وأبسط‏ أنواع هذا‏ الاستهداف‏ هو‏ المراقبة‏ التي‏ يمكن‏ أن يصل‏ العدو‏ عبرها‏ إلى خيوط‏ المعلومات‏ التي‏ تمكنه‏ في‏ نهاية‏ المطاف‏ من‏ تحقيق‏ هدف‏ الاغتيال، ‏من‏ دون‏ إدراك من‏ هذا‏ الأخ بأن‏ لا مبالاته‏ قد‏ تتسبب‏ بهلاك‏ اخوة‏ له.


ب- ‏المحافظة‏ على‏ سرية‏ أمكنة‏ العمل، ‏العناوين، مقرات‏ السكن، ‏أرقام‏ الهواتف : كل‏ شيء‏ له‏ علاقة‏ بالعمل‏ وعلاقات‏ العمل‏ يعتبر‏ أمراً‏ سرياً‏ وتجب‏ المحافظة‏ عليه وأمكنة العمل‏ وعلاقاته، ليست‏ مقرات‏ اجتماعية‏ وعلاقات‏ عائلية، ‏‏ فتكون‏ بيوتاً‏ لضيافة‏ الغرباء‏ والأصدقاء، أو‏ تكون‏ العلاقات‏ في‏ إطار العلاقات‏ الاجتماعية‏ والعائلية‏ واستباحة‏ خصوصيتها‏ للأصدقاء والنساء‏ والذين‏ في‏ قلوبهم‏ مرض‏ والمرجفين، العمل‏ وعلاقاته‏ خصوصيات‏ للقائمين‏ والمشرفين‏ عليه، فقط فتجب‏ المحافظة‏ على‏ جميع‏ هذه‏ الدوائر، ‏في‏ سرية‏ تامة‏ على‏ الجميع، ‏وليس‏ من‏ حق‏ أي‏ إنسان أن‏ يذكر‏ أية‏ جزئية‏ من‏ هذه‏ الخصوصيات‏ لأحد‏ أو‏ لأقرب‏ المقربين، ولا‏ يجوز‏ لأي‏ أخ‏ أو فضولي‏ أو‏ ثرثار‏ أن يدخل‏ سمعه‏ وبصره‏ ولسانه‏ في‏ مجالات‏ ليس‏ له‏ الحق‏ في‏ الاطلاع‏ عليها.


ج- ‏استخدام‏ أجهزة كشف‏ التنصت‏ والميكرفون‏ والمتفجرات : يحاول‏ العدو‏ دائماً‏ أن‏ يطور‏ من‏ أساليبه‏ على‏ مستوى‏ الكم‏ والنوع، ‏وهو‏ يرتكز‏ بذلك‏‏ على‏ اعتماده‏ على‏ التقنيات‏ المتطورة‏ والتكنولوجيا‏ الحديثة، ‏ويبتعد‏ عن‏ العمل‏ التقليدي، والأساليب القديمة، إنه‏ يسخّر‏ آخر‏ مخترعات‏ العلم‏ الحديث‏ في‏ مجال‏ الاختراق‏ لكي‏ يتمكن‏ من‏ أن يعيش‏ خفية‏ بداخلنا‏ ومعرفة‏ ما‏ يدور‏ في‏ خلدنا ، فهو‏ عندما‏ يكتشف‏ أرقام‏ هواتفنا، يسعى‏ حثيثاً‏ عبر‏ عملائه‏ للدخول‏ إلى هذه‏ الخطوط‏ بغرسه‏ أجهزة التنصت‏ الحديثة‏ التي‏ تمكنه‏ من‏ تسجيل‏ جميع‏ المكالمات، ‏ودراستها‏ وتحليلها‏ والاستفادة‏ من‏ جميع‏ المعلومات‏ فيها، واستغلالها‏ في‏ حربه‏ معنا، ‏وهو‏ يسعى‏ عن‏ طريق‏ عملائه‏ والصحفيين‏ من‏ اختراق‏ قاعات‏ اجتماعاتنا‏ ولقاءاتنا، وعملنا‏ عن‏ طريق‏ غرس‏ أجهزة ميكرفون‏ صغيرة‏ وعالية‏ الحساسية‏ بحيث‏ تتمكن‏ هذه‏ الأجهزة الصغيرة‏ من‏ بث‏ جميع‏ الأصوات والأحاديث، والاجتماعات، ‏والكلام‏ الصادر عن‏ أي‏ أخ أو‏ مسؤول‏، تبثها‏ إلى مستقبل‏ بعيد‏ يقوم‏ بتسجيل‏ هذه‏ الأحاديث، وإرسالها إلى مقر‏ الموساد ، حيث‏ تتم‏ دراستها‏ وتحليلها‏ والاستفادة‏ منها ، كذلك‏ يستخدم‏ هذه‏ التقنيات‏ في‏ عملية‏ تفخيخ‏ السيارات‏ والمقرات‏ بالمواد‏ المتفجرة‏ لتدميرها‏ وقتل‏ من‏ فيها.


لذلك‏ لا بد‏ من‏ استخدام‏ التقنيات‏ الحديثة‏ في‏ مواجهة‏ الإرهاب الإسرائيلي، ‏وحرب‏ الاغتيالات‏ التي‏ تقودها‏ الموساد، وأبسط‏ هذه‏ التقنيات‏ التي‏ على‏ الحركة‏ الوطنية‏ والإسلامية الاهتمام‏ بها‏ أجهزة الكشف‏ المضادة‏ والتي‏ تمكننا‏ من‏ اكتشاف‏ هكذا‏ أجهزة عبر‏ خطوط‏ هواتفنا‏ أو‏ مقراتنا‏ أو منازلنا‏ أو سياراتنا، ‏ومن‏ الضروري‏ القيام‏ بدورات‏ تفتيشية‏ سرية‏ طارئة‏ كل‏ فترة‏ زمنية، على‏ أن تبقى‏ مواعيد‏ هذه‏ الدورات‏ التفتيشية‏ سرية.


ملاحظة‏ أخرى : إن هناك‏ تقنيات‏ جد‏ حديثة‏ للدخول‏ على‏ خطوط‏ الهاتف‏ وأجهزة الهاتف‏ حيث‏ تمكَن‏ هذه‏ التقنيات‏ الأعداء من‏ سماع‏ وتسجيل‏ جميع‏ الأحاديث التي‏ تتم‏ في‏ قاعة‏ أو غرفة‏ فيها‏ جهاز‏ هاتف، من‏ دون‏ أن تكون‏ سماعة‏ الهاتف‏ مرفوعة‏، ‏بحيث‏ يقوم‏ المكلف‏ بالاختراق‏ بالاتصال‏ بالرقم‏ المطلوب، ‏وعندما‏ يتم‏ رفع‏ سماعة‏ الهاتف‏، يغلق‏ الآخر‏ ‏" المتصل‏ " ‏سماعته‏، ‏ومن‏ هنا‏ يضطر‏ الآخر الذي‏ لا‏ يسمع‏ صوت‏ متحدث‏ عبر‏ الهاتف‏ من‏ إغلاق سماعة‏ الهاتف، والاستماع‏ والتسجيل‏ يتم‏ والهاتف‏ مغلق‏ أي سماعته‏ غير‏ مرفوعة، لذلك‏ من‏ الضروري‏ الحذر‏ من‏ الحديث‏ بجوار‏ أجهزة‏ الهاتف‏ وعلاج‏ هذه‏ المسألة‏ يكون‏ بغرس‏ مكثف‏ على‏ مدخل‏ خطوط‏ الهاتف‏ من‏ البناية‏ أو المكتب، ‏وهذا‏ يؤدي‏ إلى تكثيف‏ الموجات‏ الكهرومغناطيسية‏ وتفريغها.


د- ‏فتح‏ الطرود‏ العامة‏ والرسائل‏ الخاصة‏ عن‏ طريق‏ أخ مختص‏ خارج‏ المقرات : الحركات‏ الوطنية‏ والإسلامية تعتمد‏ على‏ البريد‏ كأحد‏ وسائل‏ الاتصال‏ حيث‏ ترسل‏ وتستقبل‏ عبر‏ صناديق‏ البريد‏ الطرود‏ والرسائل، ‏وهذه‏ الطرود‏ يمكن‏ أن تفخخ، والرسائل‏ يمكن‏ أن تغرق‏ أوراقها‏ في‏ سوائل‏ كيمائية‏ مسمومة‏ وغير‏ مرئية، ‏وخطرة، ‏تنتشر‏ في‏ الدم‏ والجسم‏ عبر‏ مسامات‏ جلد‏ اليد‏ بمجرد‏ اللمس‏، لذلك‏ يجب‏ تكليف‏ أخ مختص‏ بفتح‏ هذه‏ الطرود‏ والرسائل‏ في‏ مكان‏ آمن‏ ومزود‏ باللوازم‏ الضرورية.


هـ - ‏عدم‏ إجراء لقاءات‏ صحفية‏ إلا بوجود‏ أخ‏ مسلح‏ في‏ مكان‏ اللقاء‏ الصحفي : ‏وعدم‏ إجراء اللقاءات‏ الصحفية‏ في‏ مقر‏ حساس‏ أو قاعة‏ خاصة‏ للحركة، ‏بل‏ اللقاءات‏ تكون‏ في‏ أماكن متغيرة‏ وغير‏ معروفة.


و - ‏الحذر‏ من‏ الغرباء‏ والأجانب الذين‏ يترددون‏ على‏ المكاتب‏ السباب مختلفة.


ز- ‏التفتيش‏ الروتيني‏ للسيارات :

1- إجراءات لوقوفها‏ الليلي‏ في‏ الكاراج‏ " المرآب " .
2- إجراءات لوقوفها‏ النهاري‏ في‏ الطرقات.










الباب‏ الثاني

قوانين عمل الموساد
ما هي الموساد‏؟

الموساد هي الجهاز التنفيذي للمكتب المركزي للاستخبارات والأمن المرتبط برئاسة الوزراء والمسؤول عن الفرع الخارجي للاستخبارات، والذي يقوم بمهمات التجسس، وغرس العملاء وتجنيدهم وجمع المعلومات وتحليلها. وتنقسم إلى ثلاثة أقسام.


1) قسم المعلومات: يقوم بجمع المعلومات وتحليلها ووضع الاستنتاجات والملاحظات بشأنها.

2) قسم العمليات: يقوم بوضع خطط العمليات الخاصة - التدمير، الخطف الاغتيال - .
3) قسم الحرب النفسية: يضع الخطط الخاصة بالحرب النفسية، وينفذها، ويعمل على تحطيم معنويات الأمة وتدمير عقيدتها.

مهمات الموساد


أ‌- تكوين ومتابعة وإدارة شبكات التجسس في الخارج.

ب‌- تدريب وإعداد وتأهيل الجواسيس لمهمات الموساد وغرسهم في الخارج.
ت‌- تنفيذ مهمات التخريب والاغتيال والخطف.
ث‌- متابعة نشاطات وكوادر الحركة الوطنية والإسلامية.
ج‌- جمع المعلومات العلنية والسرية ومتابعتها.

قوانين عمل الموساد


القانون‏ الأول ‏جمع المعلومات: تقوم الموساد بجمع المعلومات عن الشخصيات والكوادر العسكرية، والقيادات الخطيرة، وتقوم بفتح ملف لكل شخص يشمل عاداته، نقاط ضعفه، عنوانه، الأماكن التي يتواجد فيها، ويعمل على اقتفاء أثار هؤلاء الأشخاص، ورصد تحركاتهم، ومعرفة النمط اليومي لهم، ويقوم بوضع الأسماء الخطيرة، في قائمة تعرف بقائمة الإعدام، وقائمة الأسماء فيها ترتبط بدور الأخ في التخطيط، أو التوجيه أو إعطاء الأوامر والتنفيذ في عمليات عسكرية ضد " إسرائيل "، ويوقع رئيس الوزراء على قرار الإعدام، هذا على المستوى النظري، أما على المستوى العملي فهي تغتال كل من يقع تحت أيديهم سواء عسكري أو سياسي أو مفكر أو مثقف أو عالم كرد اعتبار للعمليات العسكرية ضد إسرائيل، وللمحافظة على معنويات اليهود، وكأجراء وقائي لخلق حالة من الرعب والهلع في نفوس من يناضل ضد الكيان الصهيوني.


وتعتمد الموساد في جمع المعلومات على:


أ‌- العملاء الذين يتم إرسالهم إلى التجمعات الفلسطينية والاتحادات والتنظيمات، ويتم تزويدهم بشيفرة متطورة للاتصال ويقومون بإرسال معلوماتهم عبر رسائل تكتب بطريقة غير مرئية، وترسل إلى صناديق بريد في دول أوروبية، حيث تكشف هناك في مختبرات خاصة، أو عبر أجهزة إرسال دقيقة، وترسل لهؤلاء العملاء الرسائل عبر إذاعة خاصة تبث على الموجة القصيرة، حيث يتم استقبالها بشكل عادي عبر أجهزة الراديو، وهذه الرسائل تبث يوميا وكل ساعة بالشيفرة، وكل عميل يستقبل الشيفرة الخاصة به بناءً على نداء خاص به.

ب‌- التنسيق وتبادل المعلومات مع أجهزة مخابرات عميلة، وأجهزة المخابرات الأوروبية.
ت‌- التحقيقات التي تتم مع الاخوة والمناضلين.
ث‌- الإذاعة، والتلفزيون، والصحف، والمجلات، والبيانات.
ج‌- البعثات الدبلوماسية الأجنبية المتعاطفة مع العدو والمعتمدون في الأقطار العربية والإسلامية.
ح‌- شبكات عملائها المنتشرة في الداخل.
خ‌- التصوير الجوي للقواعد والمكاتب، ونقاط التواجد.

القانون الثاني‏: ‏ الاختراق :


ا- الاختراق البشري: وهو غرس شخص أو أشخاص بشكل فردي منفصل في داخل تنظيم ما حيث يتم إعداد هذا العميل، أمنيا، وفكريا وسياسيا وتنظيميا وعسكريا ويتم غرسه في الداخل وإرساله للخارج ويراعى في هذا العميل مجموعة خصائص عقليه ونفسية وشخصية أو توضع له اختبارات وفحوصات عدة لقياس قدراته، واستعداده، وذكائه، وصدقه، وجديته، ويتم نقله عبر سلم التوريط إلى أقصى الدرجات التي لا يستطيع الفكاك منها، أو يتم تجنيده في الخارج بناءً على دراسة كاملة لوضعيته وشخصيته ونقاط ضعفه وبناءً على‏ إطلاعهم على الأوضاع الداخلية لتنظيم ما بناءً على الصراعات الداخلية والانشقاقات التي يتحدث بها عامة الناس والتي يتم بها كشف جميع أوراق التنظيم، وحرق عناصره وقياداته أو يتم تجنيده عبر وسيط كأن يجند لصالح المخابرات المصرية أو الأردنية أو التونسية أو الجزائرية أو جهاز أمن عرفات، حيث جميع التقارير التي تقدم عبر هؤلاء الوسطاء تستقر في نهاية المطاف في يد الموساد.


ب- الاختراق التقني:‏ تسعى الموساد عن طريق جمع المعلومات إلى معرفة أرقام وخطوط الهاتف والفاكس الخاصة والعامة حيث تعمد إلى اختراق هذه الخطوط بغرس أجهزة تنصت حديثة ومتطورة لمعرفة ومتابعة المعلومات وأدق التفاصيل عن قرب، وكذلك غرس أجهزة الميكرفون الحساسة في الغرف الخاصة، والأماكن الدقيقة لتسجيل ومعرفة كل ما يدور بداخلها، حيث تمكَن لهم هذه الاختراقات ليس معرفة كل ما يدور فقط، بل واتخاذ الخطوات الوقائية لإحباط كل ما من شأنه المس بأمنهم.




القانون الثالث‏:‏ الاحتراف والأساليب المتطورة


أ ـ الاعتماد على طاقم تنفيذي محترف: لقد نفذت الموساد العديد من عمليات الاغتيال ضد شخصيات فلسطينية وعربية وإسلامية على مدى 30 عاما، ولقد امتازت اغلب هذه العمليات بالنجاح، ولم يترك في هذه العمليات أي أثر، وسجلت حوادث الاغتيال ضد مجهول، حيث اختفى الجاني، ولم يعثر عليه، ولم يضبط، إنها تعتمد في تنفيذ عمليات الاغتيال على طاقم تنفيذي محترف يتم اختياره بعد نجاحه في تجاوز سلسلة طويلة من الاختبارات والتدريبات الشاقة والامتحانات التطبيقية، التي لا ينجح فيها إلا أفراد لهم صفات مميزة، فالرشوة، والمحسوبية، والواسطة والمعارف غير موجودة. ولم يكشف من هذا الطاقم إلا بعض العملاء الخونة المكلفين بتنفيذ مهمات قذرة.


ب- استخدام أساليب متطورة في الاغتيال: جميع عمليات الاغتيال التي تمت كانت تقنيتها وأسلوبها، وكيفية تنفيذها، ونهايتها، والخيط الذي يجمع بين هذه العمليات يشير إلى أن وراءها جهاز تابع لدولة تمتلك قدرات، وإمكانيات وتقنيات لقد‏ وجد الموساد في نقاط ضعفنا فرصة له للنجاح، ‏وعبرها‏ حصل‏ على معلومات، وحقق‏ اختراقاً، ونظم‏ عمله‏ بحيث‏ وضع أساليب للاغتيال، فما هي هذه الأساليب؟.




















الفصل الثالث

أساليب الاغتيال
مدخل

ما بين اغتيال‏ الشهيد الأديب والسياسي غسان كنفاني في‏ 8/7/1972 ، واغتيال‏ الشهيد الصحفي والسياسي هاني عابد في‏2/11/1984 م إثنان وعشرون عاماً، والموساد يعمل لنفس الأهداف ويستخدم‏ نفس الأساليب للقضاء على القضية‏ الفلسطينية والوعي بها‏ وروح‏ الثورة‏ لدى‏ شعبنا.


القتلى نعرفهم، كما تعرفهم فلسطين، والأهداف نعرفها طالما نردد قوله‏ تعالى‏‏‏‏ { لتجدن اشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود } ، فما‏ هذه‏ الأساليب؟


أولا ؛ أسلوب الرسائل المفخخة

الرسائل المفخخة هي أول أسلوب استخدمته الموساد لاغتيال مناهضيها، مصطفى حافظ المصري‏ الذي أرسله عبد الناصر إلى القطاع، ‏خلال‏ فترة الانتداب المصري، لتنظيم العمل‏ الفدائي، وقد‏ عرف‏ هؤلاء‏ الفدائيون فيما بعد بفدائيي مصطفى حافظ واستطاعوا‏ تنفيذ عمليات عسكرية في العمق "الإسرائيلي" عبر حدود قطاع غزة. وإلى‏ جانب‏ المتطوعين‏ للعمل‏ الفدائي، قام‏ مصطفى‏ حافظ بتجنيد عددٍ من المعتقلين المدنيين الذين عليهم قضايا جنائية، وكان شرط خروجهم من السجن هو المشاركة بعمليات عسكرية ضد الاحتلال‏ الصهيوني.

وشارك كثير منهم، ‏جنبا إلى جنب مع الفدائيين في عمليات بطولية أشار إليها الجنرال موشى ديان في مذكراته، ولكن أحد هؤلاء الأشخاص ضبط في أحد العمليات، من‏ قبل‏ الصهاينة، ‏فتم شراؤه وتجنيده، وأصبح عميلاً مزدوجاً، حمل طردا إلى مصطفى حافظ، وعندما هم مصطفى حافظ بفتح الطرد هز مكتبه في سرايا غزة انفجار ضخم قضى عليه مباشرة بينما أصيب العميل المزدوج بإصابات خطيرة وفقد بصره ، وقد جرت هذه‏ الحادثة في11/7/1956م.


بسام أبو شريف: الناطق الرسمي باسم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، الذي‏ ربما‏ لم يكن يخطر في باله بأنه مستهدف من أحد، ‏وصله طرد عبر البريد، بتاريخ 25/7/1972 في بيروت، وعندما فتح الطرد انفجر به، ففقد إحدى عينيه وتشوه وجهه، وأصيبت يداه.


العبرة:

1- كان‏ الشهيد العقيد مصطفى حافظ مناضلا مصريا جريئا : ‏وكان يؤمن بأن دوافع الشر في نفس السجين الجنائي ليس لها جذور في كيانه، إنما الظروف القاسية والصعبة هي التي تدفع بعضهم إلى الجريمة، وأن بداخلهم خيراً كامناً، وحاول التقاط هذا الخيط من الخير، وتطويره، وتفجير هذه الطاقات ضد "إسرائيل" كان يرى أن السلوك العدواني لبعض‏ السجناء ليس سوى مظهر منحرف لطاقة خير متفجرة سماتها الرجولة والعطاء، والتضحية وحب العدل والخير للناس، ومن هنا كان يعدل هذا السلوك بتوجيهه إلى الشر المطلق " إسرائيل"، ولكن خطأه الأساسي كان‏ في تغافله عن حقيقة من حقائق الحياة، وهي أن‏ من تشترى حريته بثمن يمكن أن يبيعها للآخرين بنفس الثمن، وهذا ما فعله اليهود حينما اعتقلوا شخصاً، فاشتروا حريته مقابل أن يعمل معهم كعميل مزدوج. ومن هنا كان مقتل الشهيد.

أما بسام أبو شريف فإن انفتاحه عبر شبكة واسعة من العلاقات كان يعني أن اغلب هذه العلاقات كانت غير‏ مضبوطة، واغلب العناصر التي كانت‏ في‏ صلب‏ هذه العلاقة هي عناصر‏ غير‏ مأمونة.


2- إن استخدام الرسائل المفخخة سيف ذو حدين : فإذا كان بإمكان الموساد قتل مناضلين برسائل مفخخة، فبإمكان المناضلين قتل الصهاينة بنفس الأسلوب، فالأسلوب ليس حكراً على أحد، وهذا ما حدث، ففي تاريخ 19/8/ 1972 استلم مدير محطة الموساد في السفارة الإسرائيلية في لندن: الدكتور شاشورى رسالة مفخخة انفجرت به فقتلته.


3- في العمل الثوري لا يوجد "طرود ورسائل شخصية" : فالطرود والرسائل للعمل، خاصة إذا كانت هذه الطرود والرسائل مرسلة عبر البريد أو عبر أشخاص غرباء ومجهولين، يلقونها تحت باب مكتب أو يحضرونها إلى المنزل عبر ساتر أنهم تابعون لفصيل ما.


لذلك يجب اتخاذ الإجراءات التالية:


أ‌- المحافظة على سرية صناديق البريد، وتقسيمها إلى صناديق هامة جداً وهامة وعامة.

ب‌- فتح سجل يومي للبريد الوارد، مع ذكر التاريخ، والمصدر، والبلد القادمة منه، ونوعية وموضوع المادة.
ت‌- عدم فتح الطرود والرسائل في مكان يكثر فيه تواجد الأخوة، ‏أو في المكاتب.
ث‌- يكلف شخص مختص ومزود بالإجراءات والأدوات اللازمة، ‏بفتح الطرود والرسائل.
ج‌- يتم اختيار مكان أمين ومعزول لفتح الرسائل.
ح‌- يتم تصوير الرسائل القادمة من مصادر مجهولة أو غريبة أو مشكوك فيها، وتقدم نسخ من الأصل لمن يهمه الأمر.

ثانيا ؛ أسلوب تفخيخ السيارات

تعود غسان كنفاني أن يقود سيارته بنفسه من سكنه إلى مقر عمله في جريدة الهدف، ولم يرافقه أو يلازمه في تنقلاته سوى أعداد الهدف، ومسودات القصص التي يكتبها حيث لم يكن يخشى على نفسه من شيء، وفي صباح 8/7/1972 ذهب إلى السيارة وبصحبته ابنة شقيقته، وحينما بدأ بتشغيل السيارة، دوى انفجار هائل دمر السيارة تدميرا كاملا وقتل غسان كنفاني وابنة شقيقته.
وبينما‏ كان‏ الناس نياماً في رام الله والبيرة ونابلس، ولم‏ يكن‏ سوى بعض العمال والفلاحين والتلاميذ الذين‏ خرجوا من بيوتهم مع أول خيوط شمس الصباح متجهين إلى حقولهم ومصانعهم، ومدارسهم، هز مدينة نابلس‏ فجأة، انفجار أيقظ الناس من سباتهم، وما كادوا يتبينون‏ حقيقة‏ الأمر، حتى اهتزت مدينة البيرة بانفجار ثان، وانفجار ثالث في رام‏ الله لقد‏ تم‏ تفجير سيارة بسام الشكعة، وسيارة كريم خلف وسيارة محمد الطويل في 2/6/1980.

تعتبر الموساد أن بسام الشكعة وكريم خلف ومحمد الطويل من‏ أخطر‏ الشخصيات السياسية ذات التوجه الوطني، ومن‏ رجال م.ت.ف في الضفة، ومن‏ المحرضين الأساسيين لعمليات المقاومة ضد الاحتلال، لذلك قررت تصفيتهم، فأرسلت فرق الاغتيال إلى منازلهم، وقامت بتشريك سياراتهم بعبوات ناسفة تنفجر مع تشغيل السيارة، وأصيب المناضلون‏ الثلاثة جميعهم بإصابات بالغة .


لكن ما حدث مع زياد‏ وشاحي في قبرص 9/4/1973، وما حدث مع عبد الهادي نفاع وعبد الحميد الشيبي في روما 10/6/1973، وما حدث مع محمد بوديه في28/6/1973، بباريس، كان له نتائج مختلفة ، لقد تم تفخيخ سيارات جميع هؤلاء المناضلين، ولم ير أحدهم نور الشمس بعد الانفجار، لقد استشهدوا‏ كلهم‏ في‏ انفجارات‏ متشابهة.


العبرة:


1- جميع المناضلين الذين تعرضوا لأسلوب تفخيخ السيارة سواءٌ من استشهد منهم أو من أصيب، لم يتخذوا الإجراءات الأمنية الضرورية والأساسية : وربما كان ذلك تحت ثقل التراخي الأمني أو النمط اليومي، أو عدم تفكير بعضهم بأنهم مستهدفون، لعدم انشغالهم بالعمل العسكري أو الأمني، ونسوا أن كل‏ فلسطيني مهموم بقضيته سواء كان سياسيا أو أديبا أو صحفيا أو عسكريا، مستهدف من الموساد .


2- تفخيخ السيارة لا يحتاج إلى خبرة عالية أو وقت طويل : فقط يحتاج إلى شخص لديه خبرة عامة في كهرباء السيارات، ويمكن أن تفخخ السيارة عبر مفتاح‏ التشغيل‏ "السويتش" ، وفتح الباب ودعسة الفرامل، وكابح الفرامل الخلفية، وعلى الغيار الخلفي ودعسة البنزين وعلى ضوء الفيوز والضوء العادي، والضوء العالي ودعسة المنبه وعلى الغماز اليمين واليسار والجلوس على الكرسي، وجميع هذه الأشكال تعتمد‏ على:


أ‌- وصول التيار الكهربائي للعبوة عبر تشغيل أي قطعة من القطع‏ المذكور أعلاه.

ب‌- الضغط أو الفتح، أو القطع، أو الشد .

لذلك من الخطورة ترك السيارة في الطرقات العامة أو أمام أبواب العمارات والمنازل، ‏لأنها "نعش طائر" .


يستطيع الأعداء القيام‏ بعملية‏ تشريك السيارة‏ في أي حالة من الحالات التالية :


أ‌- عندما تترك طوال الليل في طريق عام أو أمام بناية.

ب‌- عندما تترك في موقف خاص للسيارات يوجد حارس في مدخله.
ت‌- عندما تترك في المواقف العامة والتي يوجد بها عامل يتقاضى ضريبة.
ث‌- عندما تترك في مرآب خاص تحت المنزل، أو مرآب خاص مغلق.

لذلك يجب عدم ترك السيارة في هذه الحالات أما في‏ الحالة الأخيرة "د" فيجب إغلاق الباب من الداخل بمتراس، بحيث لا يكون له قفل يفتح من الخارج، ففتح الأقفال ليس صعبا على المحترفين.


4- السيارات المستأجرة يوجد لها نسخ إضافية من المفاتيح تبقى لدى مكتب الإيجار : فإذا كان هذا المكتب أو أشخاص فيه يعملون مع الموساد، فإنهم لن يقدموا لهم المفاتيح الإضافية للسيارة، ‏فقط، بل سيقدمون لهم صورة عن جواز السفر، وعنوان الإقامة لتتم ملاحقة‏ المناضل بناء على أخطائه. فيجب الحذر والانتباه.


5- المفاتيح الخاصة لمنزل المناضل أو‏ مكتبه‏ أو‏ سيارته لا تعطى لأحد : خوفا وحذرا من أن يقوم مترصدون بأخذ نسخ منها.


6- يجب التقيد والالتزام عند وضع السيارة ليلاً، في المرآب بإجراءات الأمن التالية:


أ‌- ‏أن يكون للسيارة جهاز إنذار.

ب‌- وضع‏ علامات‏ مميزة‏ للأبواب‏ والغطاءين‏ الأمامي‏ والخلفي‏.
ت‌- التأكد من إغلاق الأبواب وتأمينها.

7- الإجراءات الأمنية للسيارة صباحا:


أ‌- التأكد من بأنه لم يحدث أي تغيير‏‏ على‏ الإشارات التي تركت ليلا في السيارة .

ب‌- في حالة اكتشاف تغيير يكون هناك مجال للشك بأن السيارة فخخت ولذلك يمنع الدخول والجلوس فيها أو تشغيلها، وإنما‏ يتم‏ فحصها‏ بواسطة‏ خبير.
ت‌- فحص جسم السيارة من الأسفل خوفا من أن تكون المتفجرات غرست أسفلها.
ث‌- يجب القيام‏ يوميا بفحص أمني للسيارة الفرامل، المصابيح، الرودييتر، خزان البنزين، ‏العجلات .

8- عند ترك السيارة لبعض الوقت : في الطريق أو مكان عام يراعى بقاء شخصٍ فيها، وإن تعذر، يعمل بالإجراءات السابقة بشكل هادئ وطبيعي وغير ملحوظ.



ثالثا ؛ تفجير السيارة عن بعد


لقد‏ كانت عملية حائط البراق والسيارة المفخخة للكنيست أول ثمرات عمل نوعي واستشهادي للجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين في قلب فلسطين، وليدخل اسم الشهيدين حمدي وأبو حسن في قائمة الاغتيال المرفوعة لفرق التصفية للموساد، بل‏ إن‏ المخابرات الأردنية سجنته العديد من المرات، ووضعته تحت المراقبة الصارمة، وعندما وجدت أن الرقابة فشلت أمام ذكاء حمدي وخبرته وفطنته أبلغوه أنهم لن يتحملوا مسؤولية وجوده في البلد، وأنهم لن يتحملوا مسؤولية اغتياله وأن عليه مغادرة الأردن، لأن "الإسرائيليين" أبلغوهم أن بقاءه في عمان يعني انهم سيقتلونه هناك ، وطار حمدي من عمان إلى الجزائر، إلى تونس، حيث دخول الفلسطينيين وخروجهم لا يتم إلا بموافقة حكم بلعاوي، ومن هناك وصلت الإشارة الأولى للموساد بأن حمدي وصل تونس، وعندما هم بمغادرة تونس إلى قبرص وصلت الإشارة الثانية عن وجهة سفره، ورقم رحلته، ومن سينتظره هناك، وكان‏ موعد رحلته‏ في 13 شباط1988 ، منزل مروان الكيالي ورقم هاتفه لم يكن مجهولاً، فمروان ضابط من م.ت.ف، ‏وكانت " ليماسول " مركز‏ عمله، ‏وكانت مهمته شحن إمدادات إلى الفلسطينيين الذين تبقوا في لبنان، باستخدام علاقاته الممتازة في " ليماسول " وكان يشارك في مساعدة حمدي على مستوى الاتصالات بالداخل.


الشهيد أبو حسن الذي كان متواجدا في ألمانيا، كان قد رتب إجراءاته ليلتقي مع صديق عمره في ليماسول، حيث وصل هناك في نفس الليلة، صباحا خرج الثلاثة حمدي وأبو حسن ومروان لكي يستقلوا سيارة مروان "الفولكس واجن".


وبينما كانت السيارة تتحرك أمام بصر زوجة مروان التي كانت تقف على الشرفة لتودعهم، كان لصوص الليل يشغلون جهاز التحكم من بعد "جهاز التفجير" ليدوي انفجار هائل دمر السيارة تدميرا كاملا وصعد الشهداء إلى السماء، وفي الفترة التي صعد فيها‏ الشهداء إلى بارئهم، ‏كان هاني عابد القادم من مخيم جباليا يشق طريقه، مع جيل جديد لحركة الجهاد الإسلامي، حاملا مشعل الإيمان والوعي والثورة على طريق القسام والشهداء، أكمل دراسته وأصبح أستاذاً لمادة الكيمياء في كلية العلوم والتكنولوجيا في خانيونس، ومسؤول مركز أبرار للخدمات الصحفية، ومدير جريدة الاستقلال في عهد سلطة عرفات، حمل هم القضية طفلا في المخيم وطالبا في المدرسة، ومدرسا في الجامعة، لم يكن مضى عدة شهور على اعتقاله في سجون عرفات عندما ركب سيارته للمرة الأخيرة، وتوجه ليلقي محاضرته في الجامعة، وعندما انتهى من المحاضرة خرج ليقود سيارته، كان القتلة يرقبونه‏ من‏ بعيد، وعندما جلس خلف مقود السيارة، شغلوا جهاز التحكم من بعد، وفاز‏ هاني‏ بالشهادة.





العبرة:


1- تفجير السيارة عن بعد تقنية حديثة لا تحتاج إلى تعقيدات ووقت زمني : وإجراءات العملية تتم بمجملها في عدة ثوانٍ فقط، يقوم فيها شخص بوضع عبوة لاصقة أسفل السيارة وهذه العبوة تلتصق بجسم السيارة بمجرد وضعها، وفي داخل العبوة جهاز استقبال يعمل وفق تردد محدد، وعلى بعد خمسين متراً أو مائة متر في مساحة مفتوحة أمام رؤية البصر يقف الأشخاص أو الشخص الذي سيفجر العبوة، ومن خلال جهاز إرسال في يده يرسل التردد المحدد لجهاز‏ الاستقبال فور أن يكون الهدف جاهزاً للتفجير. وبضغطة من الإصبع ينتهي كل شيء ويختفي القتلة، بسيارة معدة سابقا، عن مسرح الجريمة، مستفيدين من حالة الهلع التي يسببها الانفجار.

2- الأماكن الحساسة في كثير من الدول، والشخصيات القيادية الهامة في تنقلاتها تستخدم جهازا حديثا : يقوم ببث جميع ترددات الموجة اللاسلكية‏ عبر دائرة كاملة، بحيث أن أية سيارة مفخخة‏ معدة للتفجير عن بعد، توضع‏ في‏ الطرق‏ أو‏ تتحرك في مجال هذه الترددات‏ تنفجر تلقائياً فورا عند دخولها مجال ترددات الجهاز، وبذلك تحبط العملية .

3- لم تكن عملية ليماسول هي المحاولة الأولى لاغتيال حمدي : فلقد جرت عدة محاولات لتعقبه، ومتابعته واغتياله ولكن جميع هذه المحاولات باءت بالفشل لأن الشهيد حمدي كان في حركة دائبة‏ ومستمرة، ولم يعش الثبات والرتابة‏ في سلوكه لحظة واحدة، لقد كان يدرك أن في‏ الرتابة مقتل‏ المناضل. وعندما تأكد‏ الصهاينة من وصوله إلى ليماسول لم يتركوا له فرصة لالتقاط أنفاسه والراحة من عناء السفر خوفا من أن يطير من بين أيديهم كما حدث في كثير من المرات كذلك اغتيال هاني كان محاولة أخيرة، سبقها عدة محاولات لخطفه واغتياله، ولكنها فشلت.


4- لم تنجح الموساد في‏ اغتيال الشهداء حمدي ومروان‏ وأبو‏ حسن‏ وهاني بسبب اختراقات أمنية : بل بسبب دخول شخصيات قيادية تابعة لـ م.ت.ف على الخط شاركت في عملية الاغتيال على مستوى المعلومات والتنفيذ بنسبة كبيرة.


5- لقد التزم الشهيد حمدي بأغلب الإجراءات اللازمة التي يتخذها أي شخص أمني حول نفسه : ولكن مشكلته أنه ليس وحيدا يسبح في العالم، بل هناك تداخلات، وتقاطعات، وتعقيدات تفرض على الفلسطيني أن يأخذها بالحسبان ، ‏إن‏ دخول الفلسطيني أغلب الأقطار العربية والخروج منها تتحكم فيه أجهزة أمن م.ت.ف مع الأجهزة الأمنية لهذه الأقطار، وجهاز الأمن الفلسطيني مخترق‏ من شبكة من العملاء المحليين والدوليين، لذلك يجب ترتيب جميع إجراءات سفر أي مناضل مهم أو مطلوب، بعيدا عن هذه الأجهزة الأمنية، وبعيدا عن العملاء .


6- وثائق السفر الزرقاء، والبنية وبنسبة أقل الجواز الأردني لا تصلح لحركة المناضلين وتنقلاتهم : فأول استحقاقات حملها السجن أو الحجز أو الطرد أو الاغتيال ضمن فاتورة النظام العربي، واشتراطات أجهزته الأمنية، ورأس المناضل أغلى وأهم من جواز السفر، لذلك لابد من السعي الحثيث لتزويد جميع الاخوة المهمين بجوازات سفر تمكن لهم حرية الحركة، والتنقل بعيدا عن أعين الأجهزة الأمنية فكم هو محزن ومؤسف حقا، أن يكون ثمن رأس الشهيد يساوي ثمن‏ جواز سفر .


7- نقاط الاتصال في أوروبا، كساحات مفتوحة على الموساد : يجب أن تبدل، وتغير بشكل دائم وهذا التبديل يجب أن يشمل العنوان، السيارة، ورقم الهاتف. إن عدم تجديد أي نقطة اتصال في أوروبا تحت ذريعة الوجود القانوني، وساتر العمل في م.ت.ف أو سائر الدراسة، يعني بقاء العنوان ثابتاً، والسيارة ثابتة، والهاتف ثابتاً، وهذا الثبات ربما يستمر لسنوات مما‏ قد يؤدي إلى ضرب العمل، وكشف مفاصله، ومقتل المجاهدين .


8- إن أي مجاهد يحس بداخله أنه مطلوب للموساد : ويضطر أن يترك سيارته لبضع الوقت من أجل قضاء حاجياته يجب عليه قبل ركوب السيارة التقيد بهذه الإجراءات :


أ‌- التوجه بشكل طبيعي إلى السيارة، والتوقف قبل الوصول إليها بعدة أمتار.

ب‌- إلقاء نظرة دائرية سريعة على الأجسام الثابتة والأشخاص المتحركة في محيط المنطقة.
ت‌- الاقتراب من الأشخاص المتحركين، وإلقاء نظرة عليهم‏ من الريبة والشك .
ث‌- الانسحاب من المنطقة والاختفاء في مكان يسمح بمراقبة الأشخاص المتحركين من دون أن يروه.
ج‌- عند الاشتباه بردود أفعال الأشخاص المتحركين، يجب فورا حفظ الوصف التشخيصي لهم وتعمد مراقبتهم مراقبة علنية ومكشوفة، لتوصيفهم أكثر وفضحهم أكثر .
ح‌- عندما لا يوجد أشخاص متحركون ويكون الوضع طبيعياً يتم فحص جسم السيارة من الأسفل للتأكد من عدم وجود مواد لاصقة ، ويحبذ القيام بعمليات فحص السيارة من الأسفل عن طريق امرأة، أو شخص غير خطير ولكن بشكل لا‏ يلفت‏ الانتباه.

رابعا ؛ إطلاق النار عن قرب


ا- وائل زعيتر (1934 ـ1972) : مناضل وأديب فلسطيني ولد في نابلس ، بعد سنة 1967 تفرغ للعمل الفلسطيني الإعلامي والسياسي، ‏وعين ممثلاً لـ م.ت.ف في روما استطاع أن يمد جسوراً قوية بين الثورة الفلسطينية ومجموعة من قادة الفكر والسياسة في‏ إيطاليا، ‏في الحزب الشيوعي والحزب الاشتراكي للوحدة البروليتيارية، والاشتراكيين والمستقلين، وأسس معهم نواة اللجنة الإيطالية للتضامن مع الشعب الفلسطيني، وقد عملت هذه اللجنة على تنظيم المظاهرات، وعقد الاجتماعات من أجل فلسطين قررت المخابرات الصهيونية قتل وائل زعيتر بسبب هذا النشاط، وفي تاريخ 17/10/1972، بينما كان ينتظر المصعد للذهاب إلى شقته تقدم منه شخصان فأطلقا عليه 12 رصاصة من مسدسات كاتمة للصوت، فاستشهد، ولاذ المجرمون بالفرار .

ب- باسل القبيسي (1934 ـ 1973) : عراقي من‏ مواليد بغداد، درس في أمريكا وحصل على شهادة البكالوريوس والدكتوراه في العلوم السياسية اعتقل عدة مرات في بغداد كان رئيس تحرير مجلة الوحدة الناطقة بلسان الحركة القومية في العراق 1963، تولى عدة مسؤوليات هامة في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، بينما كان يسير في أحد شوارع باريس بتاريخ6/4/1974، تقدم نحوه شخصان وأطلقا عليه النار من مسدسات "بريتا" كاتمة للصوت، فأردوه قتيلا.

جـ - عاطف بسيسو‏ (1994) : مناضل فلسطيني من قطاع غزة، عمل في الأمن الموحد، مع صلاح خلف "أبو اياد"، ويعتبر من المقربين له بعد التنسيق الأمني المشترك بين صلاح خلف والمخابرات الفرنسية، عمل عاطف بسيسو كضابط ارتباط للتنسيق الأمني مع المخابرات الفرنسية، وفي أحد مهماته سافر إلى فرنسا، حيث كان ينزل في أحد الفنادق الفاخرة، وعندما نزل إلى قبو الفندق لإخراج سيارته، كان القتلة ينتظرونه هناك وأطلقوا النار عليه من مسدسات كاتمة للصوت بشكل مباشر على وجهه، وعندما سقط على الأرض مضرجا بدمائه فر القتلة من مسرح الجريمة ، اعتبر‏ جهاز المخابرات الفرنسية عملية اغتيال عاطف ضربة موجهة إليه، فقام بتسريب معلومات عن شبكة عملاء تعمل مع الموساد في مقر منظمة التحرير في تونس، وتم كشف عدنان ياسين الذي اعتبر كبش فداء للآخرين .


العبرة:


1- لقد كان وائل زعيتر رجلاً سياسياً، وكان باسل القبيسي رجلاً عسكرياً، وكان عاطف بسيسو رجل أمن: اختلفت مواقعهم، ومناصبهم وأدوارهم، وخطورتهم، ولكن جميعهم واجهوا مصيرا واحدا وهو الاغتيال فالموساد لا تفرق بين السياسي والعسكري، والأمني، طالما أنهم يعملون لأجل فلسطين.


2- إن الشهداء الثلاثة كانوا معروفين للموساد : وهذا يدل على أن مزاولة أي شكل من أشكال النضال السري‏ بصورة علنية هو‏ خطأ‏ قاتل، لذلك على‏ العسكريين‏ والعاملين‏ في‏ القطاع‏ الأمني الابتعاد عن العمل العلني، وعدسات المصورين.


3- إن العمل العلني محرقة للجميع : والاستمرار في العمل العلني المكشوف في أي ساحة من الساحات خارج فلسطين يعني الانتحار المقصود، إن لم يكن على يد الموساد، فعلى يد أجهزة كثيرة، ليس لها أي هم أو عمل سوى ملاحقة المناضلين، واختراقهم، وجمع أكبر قدر من المعلومات عنهم، وهذه الأجهزة لها علاقات تنسيق مع أجهزة أخرى في أقطار مختلفة يتم بينهم التعاون الأمني أو تقديم المعلومات.


إن أول قاعدة في العمل النضالي هي السرية، فلماذا تحرق الحركات الثورية خيرة شبابها وكوادرها، وتبكيهم في نهاية المطاف. وصديق الأمس عدو الغد، والسياسة لن تحمي من لم يقرأ عبر التاريخ.


4- لقد كان واضحا أن "وائل"، "و باسل"، "و عاطف"، كانوا تحت مراقبة مستمرة : وهذا يعني أن أحدا منهم لم يلتزم بالإجراءات الأمنية الضرورية، فإذا‏ كان‏ عدم‏ اتخاذ‏ وائل‏ زعيتر‏ للاحتياطات‏ الأمنية‏ يرجع‏ لكونه‏ شخصية‏ سياسية‏ عامة، فإن باسل القبيسي لم يكن معذوراً، كونه رجلاً له علاقة بالعمل العسكري، وكان‏ لا‏ بد أن يتخذ الإجراءات المناسبة ليحمي نفسه وقضيته وتواصله‏ النضالي، أما في‏ قضية‏ عاطف بسيسو فالمصيبة أكبر، فهو رجل أمن، وهذه طبيعته، ومهمته، فكيف يخضع‏ للمراقبة دون أن تتحرك لديه حاسة الأمن؟!


5- لقد كان وائل زعيتر يعتبر نفسه أميناً : تحت حماية السلطة الإيطالية كونه دبلوماسياً رسمياً، وكان باسل يعتبر أنه في مأمن طالما هو في باريس بعيدا عن (إسرائيل)، أما عاطف فكان يعتبر نفسه في حماية جهاز الأمن الفرنسي كونه حليفهم وصديقهم، وغاب عن الجميع حقيقة من حقائق الحياة‏ أن من لم يحم نفسه فلن يحميه الآخرون، فالابتعاد عن (إسرائيل) والاستقرار في العواصم الأوروبية والعربية والتعامل مع النظم والأجهزة الاستخبارية، لن يلغي حقيقة انك فلسطيني مناضل، ورأسك مطلوب للجميع، فالموساد مصالحها فوق علاقاتها، ولا يوجد أمامها خطوط حمراء، أو ساحات لا تقترب منها أو نظم لا تتحرك في أحشائها، سواء كانت لحلفائها وعملائها مثل جيب عرفات أو كانت لخصومها وأعدائها، فالذي يغتال في روما وباريس، لن يتورع عن الاغتيال في العواصم العربية!


خامسا ؛ اقتحام المنزل


1- كمال ناصر ( 1924 ـ 1973 ) : مناضل وسياسي وشاعر فلسطيني، ولد في بير زيت، وحصل على شهادة البكالوريوس في الآداب والعلوم في الجامعة الأمريكية ببيروت 1945 عمل مدرساً للأدب العربي في القدس، انتسب إلى حزب البعث العربي الاشتراكي، وأصدر بعد نكبة 1948 مع عدد من زملائه جريدة البعث في رام الله، وفي سنة 1949 اصدر مجلة الجيل الجديد، وأصبح عضوا في مجلس النواب الأردني. اعتقلته السلطات الصهيونية بعد حرب 1967 وأبعدته إلى الخارج، انتخب عضوا في اللجنة التنفيذية 1969 ورئيس دائرة الإعلام والتوجيه القومي، وأصبح الناطق الرسمي باسم‏ المنظمة، وأصدر مجلة فلسطين الثورة، سكن في بناية في شارع فردان كان‏ يسكنها كمال عدوان ومحمد يوسف النجار تعرف على صحفية أمريكية كانت تسكن في الشقة المقابلة له وتوثقت العلاقة بينهما استشهد على يد مجموعة كوماندوس تابعة للموساد في10/4/1973 عندما اقتحمت شقته وأطلقت عليه النار، وقتل في نفس‏ الهجوم كمال عدوان ومحمد يوسف النجار، واختفت الصحفية بعد الاغتيال .


2- محمد يوسف النجار ( 1930 ـ 1973 ) : قيادي فلسطيني بارز، وعضو اللجنة المركزية لحركة فتح، وعضو اللجنة التنفيذية لـ م.ت.ف ورئيس اللجنة السياسية لشؤون الفلسطينيين في لبنان، ولد في قرية يبنا قضاء الرملة، وأتم فيها دراسته الابتدائية، وأنهى الثانوية في الكلية الإبراهيمية في القدس، اضطرته النكبة 1948 إلى النزوح إلى رفح، انتمى إلى جماعة الإخوان المسلمين 1951، وترك الجماعة 1958، اعتقلته السلطات المصرية مرتين في القطاع لقيادته مظاهرات ضد التوطين تفرغ للعمل في حركة فتح 1967، شارك في كثير من المؤتمرات والندوات العربية والدولية، استشهد في10/4/1973حين داهمت فرق الاغتيال التابعة للموساد شقته، واستشهدت معه زوجته رسمية أبو الخير .


3- كمال عدوان ( 1935 ـ 1973) : مناضل وقيادي فلسطيني، عضو اللجنة المركزية لحركة فتح، ولد في قرية بربرة قطاع غزة، وأتم دراسته الثانوية هناك، اشترك أثناء عدوان 1956 في تكوين خلايا المقاومة، فاعتقل، عمل في إحدى شركات البترول بالدمام، عاد للدراسة وتخرج من جامعة القاهرة مهندساً للبترول 1963، وعمل في قطر… يعتبر من أوائل مؤسسي حركة فتح استطاع بجهده ودأبه أن يقيم جهازا إعلاميا متطورا أوكلت إليه الحركة مسؤولية قطاع الأرض المحتلة، والإشراف على النضال فيه. استشهد في 10/4/1973 مع رفيقيه حين هاجمت وحدات الاغتيال شقته وسلبت منها جميع ملفات الأرض المحتلة.


4- خليل إبراهيم الوزير: ولد في 10/10/1935 في الرملة، وغادر مسقط رأسه بعد حرب 1948 وتوجه مع عائلته إلى غزة حيث تابع دراسته الثانوية، كرس نفسه باكراً للعمل المسلح ضد (إسرائيل) انطلاقاً من غزة، حيث انتخب أمينا عاما للطلاب فيها شارك في عمليات عسكرية ضد أهداف عسكرية وفي عام 1956 سجل في جامعة الاسكندرية عمل في السعودية لمدة‏ عام ثم انتقل إلى الكويت حتى 1963 تعرف على ياسر عرفات، وشارك معه في تأسيس حركة فتح. تولى مسؤولية مكتب حركة فتح في الجزائر 1963 وفي عام 1965 غادر الجزائر إلى دمشق حيث أقام مقر قيادته وفي‏ الفترة‏ بين 1976 ـ1982 كان في بيروت التي غادرها إلى تونس عام 1982 متزوج وله خمسة أولاد تمت مهاجمة منزله في حي سيدي أبو سعيد في تونس، وأطلق عليه ما يقرب من 75 رصاصة، وذلك بتاريخ 16/4/1988 .


العبرة:

بالنسبة للقادة الثلاثة:

1- القادة الثلاثة كانوا يسكنون في بناية واحدة : في شارع فردان، حيث تخلو المنطقة من أية كثافة فلسطينية أو لبنانية شعبية، وكانت البناية هدفاً سهلاً للاصطياد.


2- عدم وجود حراسات على البناية : وحتى المرافقون كانوا يغادرون البناية فور عودة القادة إلى شققهم« وكان حارس كبير في السن، يبقى‏ لوحده، ‏ولا تتوفر‏ أية حماية.


3- عدم وجود حماية أمنية للقادة في منازلهم.

4- الحركة المنتظمة للقادة الثلاثة في العودة الليلية إلى منازلهم.
5- عدم وجود أي باب حديدي أو كهربائي يعيق حركة القتلة.
6- عدم وجود مسح ديمغرافي، أي دراسات عن سكان البناية، وخلو المكان من المراقبة الأمنية.
7- وجود صحفية أمريكية تسكن مقابل شقة كمال ناصر، وتتردد عليه، وقد اختفت بعد الاغتيال.

8- عدم التزام القادة بالإجراءات الأمنية : رغم أنه تم تحذيرهم عدة مرات، من أن‏ بقاءهم على هذه الحالة يعني أن الكوماندوس الإسرائيلي سيداهمهم يوما ما .



بالنسبة لأبي جهاد، خليل الوزير :


1- لقد كانت لخليل الوزير خلافات تنظيمية وسياسية مع عرفات : وصلت أوجها حينما أوقف عنه ميزانيته ومخصصه، وفاتورة هاتفه، وأجرة بيته وحركة فتح لا تحكمها بنية تنظيمية، بل شخصية مرجعية، والخلاف مع الشخصية المرجعية يسبب‏ ارباكات‏ للعمل، فالشخصية المرجعية تؤمن بالامتثال لا الاختلاف، وتعتبر نفسها الوصي على الثورة‏ والثوار، ‏والعقل الأوحد، ومن هنا حزم‏ خليل الوزير حقائبه، وجمع أوراقه للرحيل إلى الجزائر أو بغداد بعيدا عن "الختيار" لذلك لم يعط جهده للتفكير بالمحافظة على الإجراءات الأمنية (التي يحترفها) أو اتخاذ مزيد من الحذر حتى مرافقوه لم يهتم ببقائهم قريبا منه. وكأن الموساد التي تترصده كانت تعرف ما يدور في نفسه، وتنتظر انكساره، حتى إذا ما حانت اللحظة الحاسمة دهموه بكل شراسة وأجهزوا عليه، ومزقوا جسده بالرصاص .

2- الصحفية التي كانت تتردد على المنزل : وظهرت مع القتلة وهي تحمل كاميرا فيديو، ونادت على الحارس مصطفى لأنها تعرفه. أحد محاور الخلل التي تتسرب إلى شخصية القائد، وتظهر في مراحل مبكرة من عمره هي الصحافة، فالقائد يحب عدسات الكاميرات، لأنها تبرز ذاته، وتؤكدها، إنها الماكينة التي تصنع العظماء وتقتلهم، إنها تعمي البصيرة، وتضخم الذات، إنها إدمان من نوع جديد، إنها تغرس في القائد جنون العظمة، لذلك تفتح لها الأبواب المغلقة، ‏فلا شيء محرم عليها، إنها تدخل غرفة نومه، ومكتبه وقاعات ضيوفه وقاعات الأكل، وعدسات الكاميرا تسمع وترى، وتحس وتفعل (كما يقول محمد حسنين هيكل عن السادات: لقد قتلته عدسات المصورين وشاشات التلفزيون، بحيث لم ير إلا نفسه وانعزل عن شعبه وأصبح هو في واد والشعب في واد آخر) هذه الأشرطة والصور واللقاءات تطير فوراً إلى الموساد الذي يلتقطها ويحللها خبراؤه، ويستخدمونها‏ في‏ دراسة عملية تقوم‏ بها‏ وحداته الخاصة بالاغتيال. إن الصحفيين جواسيس فاحذروهم، ولقد قتلوا الكثير، فهل من معتبر؟ .

3- الخلافات الداخلية في أُطر فصائل المقاومة تؤدي إلى الانفلاش والتسيب والمحورية : وكشف أسرار التنظيم ونقل تفاصيل أوضاعه الداخلية للشارع، وفي ظل هذه الصراعات يتفشى الاستهتار، وتضمر الدوافع ، وتختل الموازين ويعيش الجميع في دائرة مغلقة، تتسع وتكبر مع التفريغ السلبي في الحجرات المغلقة، وتزداد حدة الصراعات لتدخل أطراف خارجية فيها، وقد يسقط قتيل هنا أو اغتيال هناك.


ولكن السؤال من القاتل؟

من يمكن أن يؤكد أن عبد الوهاب الكيالي، أو عز الدين قلق، أو سعيد حمامي، أو سعد صايل قتلوا على يد الموساد، ولم يقتلوا نتيجة تصفيات داخلية، وهل هناك ثمة خفافيش في تونس تمارس لعبة الاغتيال أو تقدم معلومات وتوفر المناخ للاغتيالات؟

إن الخلافات الداخلية يجب أن تتوقف لكي لا تترك مناخاً للخفافيش تمارس اللعبة السوداء نيابة عن الموساد أو بالاشتراك معه… إن أزمة الفصائل تكمن في إنها تفتقد إلى بنية تنظيمية حقيقية، وتحكمها العقلية الأبوية التي تدور كل تفاصيل الحركة حولها، ومن هنا سقطت مصطلحات حركة، وتنظيم، واستبدلت عبر وعي الشارع بمصطلح جماعة فلان وجماعة‏ علان. إن‏ أغلب الفصائل بحاجة إلى مراجعة نقدية لفكرها التنظيمي الذي غاب، وبحاجة إلى تجديد التركيبة بحيث يكون لها بنية تنظيمية حية وفاعلة تدفعها الحوافز وليس العمل‏ الوظيفي، وبحاجة‏ إلى أجهزة مؤسسات تنظيمية لا استعراضية أو بوليسية.


إننا بحاجة إلى الشخصية المرجعية كشخصية جامعة تتحمل مسؤولية تقديم الفكر، وتجديد المفاهيم ووضع الاستراتيجيات، والإشراف العام بعيدا عن الاستغراق في تفاصيل العمل اليومي، إن التجديد التنظيمي عبر فكر مستنير ومؤسسات حقيقية للأطر الفلسطينية بعد غياب طويل، سيحل خلافاتها وصراعاتها الداخلية، ويخفف‏ من‏ أثر الاغتيالات.


4- إن كل عملية خاصة تحتاج إلى جمع معلومات دقيقة مسبقة : وإلى تفصيلات، والتقاط صور من جميع الزوايا والأركان للمكان المراد مهاجمته، كما يجب أن يأخذ بالاعتبار جميع الطرق المؤدية إلى الهدف، والأخطار المحيطة بها، وكذلك طرق الانسحاب، إضافة إلى معلومات مفصلة عن الشخص المراد اغتياله والقوى التي تهب لنجدته، فإذا كانت الصحفية قدمت المعلومات عن وضعية البيت من الداخل، فمتى تسنى لفريق الاغتيال معرفة جميع الطرق المؤدية إلى الهدف، والأخطار المحيطة به وطرق الانسحاب؟ وكيف استطاعوا أن يعرفوا أن القائد الفلسطيني المستهدف‏ سيكون موجوداً في هذه الساعة قرب منتصف الليل، وكيف عرفوا بنية الشهيد مغادرة العاصمة التونسية، إن كثيراً من هذه المعلومات ستميط اللثام عن وجوه الجواسيس أو العملاء، والذين يعتقد بعض المهتمين بأنهم ما زالوا هناك قريبا من مصادر المعلومات.


5- بخصوص جهاز الغربي : لا يوجد هناك جهاز حقيقي يسمى جهاز الغربي، هناك مجموعة من المفردات تتحرك حول شخص واحد، وهو أبو جهاد الذي يعتبر العمود الأساسي والوحيد، ومن هنا كان اغتياله ضربة لعقل الجهاز ومركز استقطابه؛ أي أن (أبو جهاد) كان بنفسه جهاز الأرض المحتلة، وبمقتله انتهى الجهاز، وأصبح تحت مسؤولية عرفات، وتم توزيع مفرداته على الأجهزة الأخرى (أما العمل العسكري الذي استمر في الداخل فهو بجهد ذاتي للصقور، وهي فعاليات انتفاضة) إننا بحاجة إلى عمل مرتبط بعمل مؤسسي لا بأفراد، فالأفراد يزولون، والمؤسسات تبقى.


سادسا ؛ التفجير غير المباشر

وهو أسلوب يعتمد على تفخيخ سيارة ووضعها في مكان ما قريب من الهدف المراد تفجيره، سواء كان بناية مكتب أو سيارة مسؤول.

علي حسن سلامة (1940 ـ 1979) :

مناضل فلسطيني وابن القائد الشهيد حسن سلامه، ولد في قرية "قولة" من قضاء رام الله، وأتم دراسته في القاهرة 1963 انضم إلى حركة فتح في 1967 عين مديراً لدائرة التنظيم الشعبي في مكتب م.ت.ف في الكويت التحق بمعهد الدراسات الاستراتيجية في القاهرة 1968، وعمل نائبا لمفوض الرصد المركزي لحركة فتح، وأصبح عضواً في المجلس الثوري 1970 استقر في بيروت، وأسندت إليه قيادة العمليات الخاصة ضد العدو الصهيوني في شتى أنحاء العالم.
درس في القاهرة ثم ألمانيا وهو يطمح أن يصبح مهندسا تزوج من فتاة تمت بالصلة إلى المفتي أمين الحسيني ، تلقى دوراته الأمنية على يد المخابرات المصرية، وكان أحد العناصر الأساسية التي شكلت منظمة أيلول الأسود، يعتبر المخطط الأساسي لقتل الرياضيين الإسرائيليين في عملية ميونخ، وأمرت جولد مائير بقتله، وقالت: اعثروا على هذا الوحش، أعثروا عليه واقتلوه في 10/9/1972 ، قامت عناصر علي حسن سلامة بقتل رجل الموساد "زوداك اوفير" ببروكسل، وشن حرب الطرود الناسفة من امستردام إلى كثير من الإسرائيليين، وقتل بهذه الطرود ضابط الموساد في لندن "أمير شيشوري" وأصبح علي سلامة يعتبر واحداً من أعنف وأمهر مدبري الاغتيالات وقد أطلقت عليه الموساد لقب الأمير الأحمر، ‏بسبب‏ حياة‏ البذخ‏ والترف‏ والتأنق‏ التي‏ اشتهر‏ بها‏ علي‏ حسن‏ سلامة‏ الذي‏ كان‏ وسيم‏ الشكل‏ ومحط‏ إعجاب الفتيات، فعرف‏ بعلاقاته‏ الغرامية‏ الواسعة، وكان يشرب كثيرا‏ في‏ بعض‏ الأحيان، وكان يشاهد في القاهرة حتى الصباح الباكر في الملاهي الليلية وبدأت عملية البحث والمطاردة وراءه ، ولكن علي سلامة كان‏ يغير الشقق كما يغير ملابسه، ولذا لم يستطع أحد أن يتعقبه، ولم‏ يتمكن أحد‏ من‏ العلم بخططه.

وقد كلفه عرفات أن يكون عنصر تنسيق مع المخابرات المركزية الأمريكية في بيروت وبينما كان علي حسن سلامة ومحمد الناطور أبو الطيب يقودان القوة 17، كان لعلي سلامة مطلق الحرية في القيام بعمليات الاستخبارات، ومناقشة العلاقات المتأزمة مع المسيحيين اللبنانيين، وكذلك مع بشير الجميل صديقه الشخصي تزوج من جورجينا رزق ، 23 عام ، ملكة جمال العالم، والتي‏ تنحدر من مؤسسة المال المسيحية في العاصمة اللبنانية لأب لبناني وأم مجرية.


في يناير 1978 التقى مندوب للموساد مع مندوب لوكالة المخابرات الأمريكية، وقال المندوب الأمريكي عن علي حسن سلامة " إنه رجلنا اتركوه وشأنه ليرتاح، وكان الرد الإسرائيلي: إنكم تعلمون ما فعله معنا، وأنتم تعرفون قواعد لعبتنا، ليس هناك من سبيل لتغيير مصيره إن الرب يغفر أما إسرائيل فلا ".


أما علي حسن سلامة فقد أستقر بعد هذه المطاردة الطويلة في بناية على مقربة من شارع مدام كوري في‏ بيروت، ‏حيث كان يقيم هو وزوجته جورجينا رزق تحت حراسة مشددة من القوة 17، ولأول مرة يصبح للأمير الأحمر بعد عشر سنوات من المطاردة عنوان ثابت. وأصبح الثبات والاستقرار عنواناً لشخصيته، وقد أثار ذلك حفيظة والدته التي كانت تحس بقلبها أن ابنها في خطر، وقالت له: "انك مطلوب، يجب أن تغير سيارتك وتبدل عنوانك، وطرق تحركاتك، ولكنه كان يداعبها بأن عمر الشقي بقي، ووصله تحذير من بشير الجميل‏ الذي‏ نصحه‏ بأن‏ يغير منزله، لوجود معلومات عن خطة لاغتياله ولكن‏ التعب‏ كان‏ قد‏ نال‏ منه، وصار‏ ميالاً‏ إلى الخمول‏ والدعة، ولم‏ يأخذ‏ بنصيحة‏ أحد وقد وصلته قصاصة ورق عن طريق المكتب الثاني اللبناني، فيها‏ تحذير‏ واضح، ‏ولكنه وضع القصاصة في جيبه، وعثر عليها في سترته بعد استشهاده.


قامت عميلة الموساد سلفيا روفائيل أيريكا بتسجيل البرنامج اليومي الثابت لحركة أبو علي حسن سلامة من الطابق التاسع في بناية من شارع فردان، وكان موكبه مؤلفاً‏ من‏ سيارة شفروليه، وسيارتي رانج روفر تمر في أوقات منتظمة من منزله إلى مكتبه، فوضعت الموساد سيارة فولكس فاجن بجانب الطريق بعد أن شحنت بعبوة تفجر لاسلكياً، وقدرت العبوة بـ 50 كيلو T.N.T ، وفي تمام الساعة الثالثة مساء يوم22/1/1978 كان الموكب يمر في طريقه المعهود، وما إن وصل الموكب مقابل سيارة الفولكس فاجن، كانت سلفيا روفائيل تضغط على زر التحكم من بعد، فدوى انفجار مروع، قتل على أثره علي حسن سلامة .


العبرة:


1- لقد مضى علي مصرع‏ علي‏ حسن سلامة أكثر من عشر سنين في العمل السري : ومطاردة الأعداء والتخطيط لتنفيذ عمليات عسكرية ضد أهداف إسرائيلية وذلك راجع إلى الروح الثورية، والرغبة‏ العارمة‏ في‏ الثأر لوالده ولشعبه التي سكنته طوال السنين، ولم تكن مطاردته سلبية، أي هروب واختفاء، بل مطاردة إيجابية يلاحق أعداءه ويتربص بهم المنون.

2- لقد أمضت الموساد عشر سنين : وهي تطارد علي حسن سلامة بأوامر تلك العجوز الشمطاء‏ غولدا‏ مائير، وتوسعت‏ ساحة المطاردة من بيروت إلى ليلهامر‏ في‏ النرويج إلى العواصم الأوروبية، ولكنها عجزت عن الوصول إليه وقتلت المواطن المغربي أحمد بوشيكي لاعتقادها أنه علي حسن سلامة، وسقطت في أكبر فضحية بعد الاغتيال، وتم‏ اعتقال الفريق الإسرائيلي الذي نفذ العملية ، ‏في‏ أول‏ سابقة‏ من‏ نوعها‏ في‏ تاريخ‏ فرق‏ الاغتيالات‏ الصهيونية، وكانت‏ فضيحة سمتها الصحف العبرية‏ بعملية "الليل المر" لفشل فريق الاغتيال.

هذا العجز في اغتيال علي حسن سلامة راجع إلى حقيقة هامة، وهي أن الثوري الملتزم بأقصى إجراءات الأمن والحذر، وبنمط الحياة الثورية والسرية، والابتعاد عن النمط المكتبي الاستعراضي، يحول‏ بين العدو وبين الوصول إليه والنيل منه .


إن التغيير الذي حدث في نمط حياة علي حسن سلامة في أواخر أيامه راجع إلى مسألتين :


أ‌- ارتباطه‏ بجورجينا رزق.‏مما‏ أدى‏ به‏ إلى‏ حالة‏ من‏ الاستقرار لم‏ يكن‏ عليها‏ من‏ قبل.


ب‌- في عام 1978 انفتح الحوار الأمريكي الفلسطيني من خلال صلاح خلف رجل الأمن الأول، ورجل فتح الثاني وعلى أرضية هذا الحوار واللقاءات تم تكليف علي حسن سلامة بأن يكون ضابط ارتباط مع الأمريكان، والتزمت م.ت.ف بنبذ العنف، ومحاربة الإرهاب ضد المدنيين والطائرات، ومن جانبها سعت الشخصيات الأمريكية إلى دعم وتشجيع هذه الاتجاهات وهذه الشخصيات التي اعتبرت أحد ركائزها في المحافظة على مصالحها في المنطقة، وضرب‏ ما‏ يسمى بالعمليات الإرهابية عبر التنسيق الأمني.


لقد كان علي حسن سلامة يعتقد أن علاقته مع الأمريكان ستحميه، وأن الموساد لن يستطيع فعل شيء بدون موافقتهم، وأنه في ظل الحماية الأمريكية لن يخشى على نفسه من الاغتيال، وكانت النتيجة أن الأمريكان، إن‏ لم يخدعوه، فقد خذلوه .


3- إن‏ طبيعة‏ حياة‏ الفدائي‏ تختلف‏ عن‏ طبيعة‏ حياة‏ السياسي :‏ فالأول‏ يلتزم‏ السرية‏ والحذر‏ والحركة‏ الدائمة‏ والابتعاد‏ عن‏ الشهرة‏ وكاميرات‏ الصحفيين، ‏بينما‏ يظل‏ الثاني‏ تحت‏ الأضواء‏ المسلطة‏ ويرتهن‏ لحياة‏ العلنية‏ والشهرة، وتسهل‏ على‏ الجميع‏ مراقبة‏ تحركاته‏ ودراسة‏ شخصيته‏ وتحديد‏ مكامن‏ الضعف‏ في‏ أسلوب حياته‏ وإيجاد‏ منفذ، بالتالي، للنيل‏ منه وعندما‏ كان‏ علي‏ حسن‏ سلامة‏ ملتزماً‏ بسلوك‏ الفدائي‏ صعب‏ على‏ فريق‏ الاغتيالات‏ الوصول‏ إليه، ولكنه‏ سقط‏ بعد‏ أن‏ أصبح‏ أقرب‏ إلى ممارسة‏ السياسة‏ وعلاقاتها‏ منه‏ إلى ممارسة‏ الأمن‏ والسلوك‏ الفدائي فرجل‏ الأمن‏ والفدائي‏ لا‏ يمكنه‏ أن‏ يتحول‏ إلى سياسي‏ حتى‏ وإن‏ أراد‏ ذلك‏ وحاول‏ تجاوز‏ ماضيه، ‏فالأعداء‏ لا‏ يغفرون، ولا‏ يأخذون‏ هذا‏ التغيير‏ في‏ عين‏ الاعتبار .


سابعا ؛ تفخيخ الغرف

يعتمد أسلوب تفخيم الغرف على وضع عبوة لشخص في غرفة نومه، إما تحت السرير أو قريباً من جهاز الهاتف أو قريباً من الباب، ويتم تفجيرها بالضغط، أو بالتحكم عن بعد، أو بالضغط على زر الإنارة، ويكثر هذا الأسلوب في الفنادق .

1- الدكتور محمود الهمشري (1938 ـ 1972) :

مناضل فلسطيني، ولد في قرية أم خالد بقضاء طولكرم وفيها أتم دراسته الابتدائية والثانوية انتقل إلى الكويت والجزائر حيث عمل في سلك التعليم التحق بحركة فتح في‏ لحظات‏ تأسيسها‏ الأولى بعد 1967 أوكلت إليه مهمة‏ العودة للأرض المحتلة‏ ليعمل‏ في‏ تأسيس‏ الخلايا‏ الفدائية في 1968 عين معتمداً لحركة فتح وممثلاً لـ‏ م.ت.ف في باريس، حيث‏ أقام علاقات إيجابية مع‏ الكثير من المنظمات السياسية الفرنسية، وقام بنشاط كبير بين صفوف الطلبة الفلسطينيين‏ هناك.

حين عجزت الموساد عن توجيه ضربات حقيقية وجوهرية لمخططي ومنفذي العمليات الخارجية ضد أهداف صهيونية، قررت أن تضرب أهدافا سهلة، ضد سياسيين، أو ممثلين أو شخصيات بارزة في المجال الإعلامي كرد اعتبار للكيان الصهيوني، ورفع الروح المعنوية لليهود والصهاينة، وكان أحد هذه الشخصيات الدكتور محمود الهمشري.


اتصل به شخص تحت غطاء أنه‏"صحفي إيطالي" وطلب اللقاء معه، وتم تحديد موعد ومكان اللقاء. و"كان اللقاء في مقر سكن الهمشري" وفي أثناء غيابه عن المنزل دخلت وحدة من الموساد وغرست عبوة ناسفة‏ في مكان خفي تحت الهاتف. وعندما تواجد الهمشري في المنزل، رن جرس الهاتف وسأله شخص من الجانب الأخر الدكتور الهمشري أجاب "نعم" ، وفي لحظة تم تفجير العبوة عن بعد وقتل الدكتور الهمشري في 8/12/1972 .





2- أبو الخير‏ وحسين‏ الشبر:

وبعد أقل من شهرين من‏ اغتيال‏ الهمشري، كان حسين علي أبو الخير ممثل م.ت.ف في قبرص يدخل غرفته في فندق اوليمبك بنقوسيا حيث انفجرت به عبوة تنفجر عن بعد واستشهد في25/1/1973، وبنفس الطريقة قتل حسين عباد الشبر أحد رجالات الارتباط بين م.ت.ف والاستخبارات الروسية في قبرص.

3- ماجد أبو شرار:

كاتب ومناضل فلسطيني، وعضو في اللجنة المركزية لحركة فتح، ومسؤول الإعلام الموحد في م.ت.ف وعضو القيادة العليا للعمليات في الأرض المحتلة ولد في بلدة دورا قضاء الخليل عام 1936 وفيها تلقى تعليمه الابتدائي والمتوسط، ثم انتقل إلى القاهرة حيث أنهى دراسته، وعمل في حقل التدريس في الأردن والسعودية التحق بحركة فتح في 1966 وأصبح مسؤول تنظيمها في السعودية، بعد 1967 انتقل إلى الأردن وتفرغ للعمل النضالي والتنظيمي في حركة فتح، وانتخب عضوا في مجلسها الثوري، في المؤتمر الثالث لحركة فتح الذي انعقد سنة 1971 اختير أمينا لسر المجلس الثوري للحركة وظل في مركزه هذا حتى سنة 1980 حين اختير في المؤتمر الرابع للحركة عضوا في لجنتها المركزية في عام 1972 أصبح عضوا في الأمانة العامة للاتحاد العام للكتاب الفلسطينيين قام بدور كبير في تطوير وسائل الإعلام الفلسطينية وقد عرف بكتاباته الرصينة، وقدراته التنظيمية العالية له كثير من المقالات والدراسات ومجموعة قصصية.

ذهب إلى روما ليشارك في مؤتمر عالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني ، وحجز له مكتب م.ت.ف في فندق فلورا الذي يعتبر صاحبه موالياً لإسرائيل، وكان‏ الفندق‏ يقع‏ في‏ مكان‏ غير‏ مناسب‏ أمنياً، في‏ منطقة‏ تعج‏ بالعصابات‏ والحياة‏ السفلى وضعت له عبوة تحت سريره في غرفته‏ التي تحولت إلى حطام كامل، وتناثر جسده في سماء الغرفة.


العبرة:


1- كثير‏ من الصحفيين ومراسلي شبكات التلفزيون ووكالات الأنباء يعملون جواسيس : تحت ساتر الصحافة، وبعضهم‏ يحمل‏ الجنسية المزدوجة، لذلك يجب منع دخولهم أي غرفة خاصة أو منزل قيادي أو مكتب هام، ويجب أخذهم إلى أمكنة غير هامة ومتغيرة، حتى لا يستفيدوا من معرفة العناوين الخاصة. فكثيراً‏ ما‏ يقوم‏ فريق تلفزيوني‏ بتصوير الشوارع المؤدية إلى مكان‏ اللقاء‏ الصحفي ومدخله والتفاصيل‏ الصغيرة‏ التي‏ يمكنهم‏ تصويرها، ولا يمكن أن يكون هذا العمل له علاقة بمهمة صحافة، بقدر ما هي مهمة جاسوسية، وتستخدم‏ الصور‏ في تدريب الوحدات الخاصة للموساد على طريقة اقتحام‏ المكان‏ المحدد عندما يقررون التنفيذ، وهذه إشارة إنذار بضرورة تغيير ‏أي‏ مكتب يلاحظ‏ أن‏ الصحفيين‏ قد‏ صوروه‏ وأخذوا‏ تفاصيله، وإعادة ترتيب العمل في ظروف أكثر سرية قبل فوات الأوان. وما حدث مع كمال ناصر والهمشري وأبو جهاد الوزير درس لمن أراد أن يعتبر، ويضيع الفرصة على المواد .



2- العمل العلني : سواء منه السياسي أم العسكري في أوروبا وفي أي دولة أجنبية‏ هو مقتل مجاني للسياسيين والعسكريين، لذلك يجب أن ترتب أوضاع الجميع، السكن، العمل، التنقل، في إطار سري قبل فوات الأوان.


3- الدكتور الهمشري، وحسين أبو الخير وحسين عباد الشبر، وماجد أبو شرار لم يلتزم أحد منهم بأي من الإجراءات الأمنية المطلوبة : ولم يتخذ أي شخص أو جهة أمنية فلسطينية أي إجراءات أمنية لحمايتهم، ومن هنا سقطوا بفعل أخطاء ارتكبت فاستغلها الموساد لتحقيق أهدافه.


4- معظم الفنادق في أوروبا تحت مراقبة الشرطة والأجهزة الأمنية : وخاصة الفنادق التي يرتادها أشخاص مطلوبون‏ للموساد‏ أو‏ أجهزة‏ الدول‏ الغربية، وتسعى الموساد إلى تجنيد عدد كبير من موظفي وعمال هذه الفنادق لكي يزودوهم بمعلومات عن كل مطلوب ينزل في هذه الفنادق، ويتم‏ تقديم الخدمات للموساد لمراقبة ومتابعة واقتحام غرفهم وغرس العبوات بداخلها، ومن هنا يجب إختيار‏ أماكن‏ الإقامة بدقة، ‏والحذر‏ من هذه الفنادق لأنها تحت عين الشرطة والأمن والموساد .


5- ‏في‏ حالة‏ الاضطرار للسفر : إلى الدول الأوروبية والنزول في فنادقها يفضل ألا يحمل الشخص جواز سفر أو‏ وثيقة تدل على "شخصيته‏ الحقيقية"، وعدم البقاء لفترة‏ طويلة‏ نسبياً في نفس‏ الفندق.


6- يجب على كل أخ : ينزل اضطراريا في أحد هذه الفنادق ، أن يتخذ إجراءات أمنية سرية، وغير مرئية في داخل غرفته قبل مغادرتها، للتأكد من عدم دخول غرباء في‏ فترة غيابه، والعبث في حاجياته، أو زرع جسم فيها، وتتم هذه الإجراءات فور انتهاء عامل النظافة من ترتيب وتنظيف الغرفة.


7- اكتشاف هل هناك مراقبة علنية عند مغادرته الفندق، وهل هناك متابعة له.


ثامنا ؛ السم


وديع حداد ( 1927 ـ 1978 ) :

ولد في صفد في 1927 وتلقى تعليمه فيها، التحق بالجامعة الأمريكية في‏ بيروت، وتخرج طبيبا 1952 كانت تراوده فكرة إنشاء حركة مسلحة من خلال إيمانه بان الكفاح المسلح هو الأسلوب الوحيد لتحرير فلسطين، وركز اهتمامه على ضرب العدو عسكرياً وإنزال الخسائر في صفوفه أصبح‏ واحداً من قادة حركة القوميين العرب، والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين اعتقل في عام 1957 بسبب نشاطه السياسي وأودع معتقل الجفر الصحراوي‏ في‏ الأردن، حيث قضى ثلاث سنين، تمكن بعدها من الهرب شارك في العمل السياسي والجماهيري اعتبرته الموساد العقل المدبر للعديد من العمليات العسكرية، وخطف الطائرات تعرض للعديد من محاولات الاغتيال، وبفضل حسه الأمني والتزامه الدائم بإجراءات الأمن فشلت هذه المحاولات، وواصلت الموساد، التي وضعت اسمه في قائمة الاغتيال، مطاردته، ولكنها لم تفلح في‏ اغتياله وضعت له في بغداد، بصورة‏ غامضة، مادة من السم الحديث الذي يتفاعل ببطء ويعطي نتائجه على الأمد البعيد، وتسربت هذه المادة في الدم مشكلة نوعاً خطيراً من سرطان الدم، حيث بدأ جسده بالضمور المستمر، ولم ينفع معه العلاج استشهد على إثر السم في 28/3/1973 .

ويذكر في هذا السياق أن‏ أحد‏ اثنين‏ ظلا‏ على‏ قيد‏ الحياة من المجموعة التي نفذت عملية قتل الرياضيين الإسرائيليين في ميونخ، قد استقر في الإمارات العربية المتحدة، وفي أحد الأيام تم العثور عليه مقتولا في شقته بفعل التسمم .


العبرة:


1- الحذر من التردد المستمر على المقاهي والبارات.

2- عدم الاعتماد على أشخاص أجانب : "خدم" في إعداد المأكولات والمشروبات في المنزل.‏والاعتماد في تجهيز الأكل على أهل البيت، أو أن يقوم الأخ بإعداد ذلك بنفسه.

3- عدم السماح للضيوف الفضوليين بدخول المطبخ : والحرص على شرب الماء بشكل دائم من الصنبور.


4- التأكد دوماً من سلامة وأمن البيت فترة الغياب : بوضع إشارات محددة تكشف بشكل غير مباشر أي أشخاص يمكن أن يتسللوا إلى المنزل فترة الغياب.


5- التدقيق الدائم : في الأشخاص الذين يترددون إلى المنزل تحت غطاء ما.


تاسعا ؛ الاختراق

خالد نزال مناضل فلسطيني، وأحد قيادات الجبهة الديموقراطية لتحرير فلسطين، ومسؤول عمل الجبهة‏ المسلح في الأرض المحتلة، كان يدير ويتابع العمل العسكري، والتخطيط للعمليات من خلال مراكز تابعة‏ للجبهة في روما.

تقربت فتاة أمريكية تدعى "ألن بكلي" من إحدى عضوات الجبهة الديمقراطية في الجامعة، وأبدت تعاطفها مع الثورة الفلسطينية، وعرضت خدماتها واستعدادها للقيام بأي مهمات تكلف بها من أجل نصرة القضية الفلسطينية، وقامت عضوة‏ الجبهة بترتيب لقاء لها مع خالد نزال، وبعد أن تعرف عليها، وثق بها بشكل كامل،

كان بعض العاملين في داخل الأرض المحتلة، قد خرجوا للقاء خالد نزال في‏ روما، ونزلوا في أحد الفنادق‏ بانتظار‏ اللقاء، ‏وكان خالد نزال قد‏ ابلغ الأمريكية "ألن بكلي" بموعد اللقاء ومكانه وطلب منها الحضور والمشاركة فيه، ولكنها وقد عرفت موعد‏ اللقاء‏ ومكانه في‏ فندق الشيراتون، لم تحضر، وعندما أنهى خالد نزال اللقاء، كان مسلحان على دراجة‏ نارية ينتظرانه على بوابة الفندق، وعندما اقترب منهما أطلقا النار عليه من مسافة قريبة وفرا بعد أن تأكد لهما أنه لفظ أنفاسه الأخيرة.
العبرة:

1- في العمل السري يجب أن يلتزم المناضل بقاعدة المعرفة على قدر الحاجة " ولا داعي لأن يعرف أعضاء التنظيم أو الجهاز كل شيء عن أسرار التنظيم.


2- كل إجراءات متابعة العمل المسلح : في داخل الأرض المحتلة، مثل لقاء، مكالمة، رسول، اتصال، هي أمور في غاية السرية ولا يجوز الحديث أو التحدث بها مع أحد أو أمام أحد.


3- جميع الأعضاء المنتسبين لأي فصيل يجب أن يدقق في ماضيهم : وعلاقاتهم، وارتباطاتهم، وأن يتم قبولهم بعد فترة من الاختبارات الأمنية العملية وأن يتم صعودهم التدريجي في السلم التنظيمي.

4- انخراط أي عنصر جديد للعمل في جهاز الأرض المحتلة يجب أن لا يمر عبر القائد مباشرة، بل عبر لجان مختصة، ولا يسمح بدخول كل شخص جديد على القائد.

5- لم يلتزم خالد نزال بالإجراءات الأمنية الضرورية في متابعة عمله .


6- اللقاءات السرية، من‏ حيث‏ المكان، الأشخاص، الموعد‏ والساعة، يجب أن تتم بشكل سري كامل.


عاشرا ؛ القصف بالطائرات


السيد عباس الموسوي :

الحديث عن السيد عباس، هو الحديث عن متغيرات جذرية، وأحداث عظام، شكلت، وتشكل تاريخ المنطقة ورسم معالم خارطته من جديد، أحدث انتصار الثورة الإسلامية في إيران تحولاً نوعياً في مسار النشاط الإسلامي في فلسطين ولبنان، فاستقبلت الثورة شعبياً بلهفة كبيرة، حيث اعتبرها المسلمون قوة روحية هائلة ستقف إلى جانب قضاياهم في مواجهة أعدائهم. وكان الشعار الأول الذي رفعه المتظاهرون الإيرانيون بعد إسقاط نظام الشاه اليوم إيران وغدا فلسطين، ووجد هذا الشعار طريقه السريع إلى دعاة المواجهة مع إسرائيل والغرب، وتلقفته دائرة الحركة‏ الإسلامية لتجد فيه قوة دفع وإسناد لمشروعها وطرحها، كما حدث للفلسطينيين واللبنانيين الذين كانوا يئنون من وطأة الهجمات الإسرائيلية المتكررة، ومن تجاهل العالم لقضيتهم .

لقد تركت الثورة الإسلامية في إيران تأثيراتها على الفلسطينيين واللبنانيين. وجاءت متغيرات الاجتياح الدامي في حزيران1982، والحصار المر لبيروت، والخروج الحزين للفلسطينيين في‏21/8/1984، والمجازر البشعة في صبرا وشاتيلا، لتقدم خيار المجابهة والجهاد، وكان السيد عباس هو من‏ أوائل من التقطوا هذه المفردات، وظهرت‏ شعارات تحمل اسم حزب الله، حتى قرر‏ مجلس شورى الحزب‏ في أيار 1984 اعتماد تسمية ثابتة، وشعار مركزي يتصدر كل البيانات هو حزب الله - الثورة الإسلامية في لبنان، ولقد اتبع حزب الله في مواجهة الجيش الصهيوني وحلفائه الغربيين، وعملائه في المنطقة عدة أساليب منها العمليات الاستشهادية، والمواجهة الشعبية، والعمل العسكري المنظم، والحرب الأمنية.


وكانت أول عملية استشهادية نفذها حزب الله في مقر الحاكمية العسكرية الصهيونية في صور، حيث تقدم الشهيد "أحمد قصير "من بلدة دير قانون النهر" بسيارته وفجرها في داخل المقر الذي دمر عن بكرة أبيه وقتل جميع من فيه، وأغلبهم ضباط مخابرات، وفتح الطريق للمارد الإسلامي لكي يأخذ دوره ، وسقط مقر المارينز الأمريكي في المطار ومقر المظليين الفرنسيين في "الرملة البيضاء"، والسفارة الأمريكية في "عين المريسة"، وكانت الحصيلة مئات القتلى والجرحى، لقد ولد حزب الله، ، ووقف على قدميه، وأشتد عوده، وكان السيد عباس مرشد الطريق.


ولد السيد عباس الموسوي في قرية النبي شيت ، ويعتبر السيد عباس شخصية متميزة في حزب الله، فقد كان واحداً من قلة قليلة بلورت هذا التيار بعدما شغل عضوية لجنة التسعة التي مهدت الطريق لإنشاء حزب الله تولى السيد عباس مسؤولية منطقة الجنوب، ومنظم عمل المقاومة، وقاد عملياتها الكبيرة، وأشرف بنفسه على تجهيز المجموعات القتالية التي كانت تنفذ عمليات الهجوم على المواقع الإسرائيلية، ومن الجنوب انتقل إلى بيروت، والبقاع ليشرف على المؤسسات العلمائية، وظل عضواً في مجلس‏ الشورى حتى انتخابه أمينا عاما لحزب الله 1991 .


في الذكرى الثامنة لاستشهاد الشيخ راغب حرب، والتي يحيي فيها حزب الله أسبوع المقاومة الإسلامية توجه السيد عباس الموسوي ليحيي هذه الذكرى، في قرية جبشيت على الخطوط الأمامية للجنوب، ولازمت أربع طائرات استطلاع إسرائيلية أجواء المنطقة، ولاسيما في أجواء بلدة جبشيت، ‏وفي الساعة الرابعة بعد الظهر انتهى الاحتفال، وغادر السيد عباس القرية في موكب مؤلف من سيارة مرسيدس 280 وسيارتي رانج روفر، ولدى وصول الموكب إلى المدخل الشرقي لبلدة تفاحتا "جبل عامل" ظهرت في الأجواء مروحيتان عسكريتان انقضتا على الموكب وأطلقتا عدداً من الصواريخ الموجهة، فأصيبت سيارة المرسيدس وسيارة رانج روفر، واستشهد السيد عباس وزوجته سهام - وطفله حسين ‏- ، في الأرض المباركة التي أحبها وأحبته في جبل عامل المقاوم الذي وشحه بروحه الجهادية المعطاءة، وحيث أراد أن يلاقي وجه ربه شاهدا على ظلم الصهاينة الغزاة، وشاهرا سيف الحق، وكلمته بوجه الاحتلال اللئيم، وبين أحضان المقاومة الإسلامية التي ما فتئ يوصي بأبنائها خيرا ويحميهم بعباءته وعمامة جده رسول الله "ص". وتحول السيد إلى رمز قيادي للمقاومة، قدم في شهادته كما في حياته لهذا الحزب، جمهوراً عريضاً نقله إلى مرحلة جديدة وضعته في طليعة القوى الإسلامية المجاهدة ضد إسرائيل.


العبرة:


1- لقد كان السيد عباس روحا تهفو إلى الشهادة، ولم يعط قيمة للإجراءات الأمنية، والشهادة كانت لديه أهم من الإجراءات، وأحد حقائق التاريخ تقول أن المنخرطين في العمل السياسي والعسكري يخوضون حرباً مفتوحة مع الأعداء ويجب أن يتقيدوا بالإجراءات الأمنية والتوكل على الله.


2- كان‏ موعد الاحتفال ومكانه معروفا للجميع، ولكن حركة السيد عباس في الدخول إلى جبشيت والخروج منها كان يجب أن تتم في سرية مطلقة.


3- الاختراق لم يكن في بنية حزب الله، بل في شخص ما كان يتواجد في الاحتفال أو قريباً منه وكان يرسل إشارة الصفر لحظة مغادرة السيد للقرية.


4- القرية طوال النهار كانت تحت المراقبة الجوية لطائرات الاستطلاع، ولذا كان لا‏ بد من أخذ هذه المسألة في الحسبان.

5- السيد عباس لم يكن زعيماً له حزب، بل كان رمزاً من رموز الحزب، استشهاده لم يؤثر على بقاء ومصير الحزب، فالحزب حالة جماهيرية، وبنية تنظيمية، ومؤسسة عسكرية وأمنية واقتصادية، وقيادة جماعية شورية، وليس حالة فوقية تتمحور علاقة جميع المفردات بها حول شخص ، واستشهاد السيد أعطى دماً جديداً للحزب جعلته ببنيته، ومؤسساته، وقيادته، وجماهيره أخطر وأهم رقم يفر ضباط وجنود الجيش الصهيوني من أمامه.

الحادي عشر ؛ التفخيخ‏ غير‏ المباشر‏ لتدمير‏ مباني‏ وقتل‏ أشخاص بداخلها


فؤاد‏ مغنية:

إسلامي لبناني عمل‏ في‏ اللجنة‏ الأمنية لحزب‏ الله متفرغ‏ في‏ إدارة‏ مشروع‏ سوبر‏ ماركت‏ في‏ حي‏ صفير‏ بالضاحية، وهو‏ أخو‏ عماد‏ مغنية‏ الذي تعتبره‏ الأجهزة الأمنية الصهيونية‏ العقل‏ المدبر‏ لعمليات‏ السيارات‏ المفخمة، وخطف‏ طائرات‏ في‏ أوروبا.

اعتمدت‏ استراتيجية‏ الجيش‏ الصهيوني‏ منذ‏ إنشائه على‏ ثلاثة‏ مبادئ‏ أساسية :


أ‌- الحرب‏ الخاطفة .

ب‌- العمل‏ الهجومي .
ت‌- ‏نقل‏ المعركة‏ إلى أرض‏ العدو .

ولقد‏ طبق‏‏ جنرالات‏ الجيش‏‏ الصهيوني‏ هذه‏ المبادئ‏‏ في‏ جميع‏‏ حروبهم‏ التي‏ شنوها‏ على‏‏ الجيوش‏‏ العربية‏ وفي‏‏ أغلب‏ المعارك‏‏ التي‏‏ خاضوها‏ معهم ولقد‏‏ حققت‏‏ لهم‏ هذه‏‏ السياسة‏‏ الهجومية‏‏ نجاحات‏‏ وانتصارات‏ كبيرة‏‏ كما‏ حدث‏‏ في‏‏ حرب‏‏1967 وفي‏‏ الشطر‏‏ الأخير من‏‏ حرب‏ اكتوبر‏1973.


هذه‏ السياسة‏ لم‏ يفلح‏ الصهاينة‏ في‏ تطبيقها‏ في‏ لبنان ضد‏ رجال‏ حرب‏ العصابات‏ التي‏ يقودها‏ بكل‏ قوة‏ وتفوق‏ وشجاعة‏ حزب‏ الله، وأصبحت سياستهم‏ العسكرية‏ تقوم‏ على‏ الهروب‏ من‏ لبنان‏ والدفاع‏ في‏ الجنوب‏ وراء‏ جدار‏ بشري‏ لجيش‏ لحد، ‏ولكن‏ هذا‏ الجدار‏ الذي‏ لم‏ يفلح‏ في‏ حمايتهم‏ بدأ‏ في‏ التفكك، ‏واصبح‏ الجنوب‏ مقبرة‏ للوحدات‏ المختارة‏ في‏ الجيش‏ الصهيوني‏ والتي‏ لا‏ تقاتل‏ إلاّ‏ من‏ وراء‏ جدر‏ محصنة إن هذا‏ الفشل والانهيار‏ والتراجع‏ دفع‏ قادة‏ الجيش‏ الصهيوني، ‏خاصة‏ بعد‏ عملية‏ الدبشة‏ البطولية، إلى الاستنجاد‏ بالموساد‏ لكي‏ تغطي‏ عجزهم‏ في‏ الجنوب، من‏ خلال‏ تنفيذ‏ عمليات‏ استعراضية‏ في‏ بيروت اندفعت‏ الموساد‏ التي‏ تشعر‏ أنها عاجزة‏ عن‏ تنفيذ‏ أي‏ عمل‏ مهم‏ ضد‏ قيادات‏ حزب‏ الله‏ الدينية، والأمنية والسياسية‏ والعسكرية، إلى تغطية‏ عجزها‏ وعجز‏ المؤسسة‏ العسكرية‏ الصهيونية‏ والى‏ الخروج‏ من‏ هذا‏ المأزق‏ من‏ خلال‏ تنفيذ‏ عملية‏ اغتيال‏ ضد‏ تاجر‏ في‏ سوبر‏ ماركت‏ في‏ حي‏ صفير‏ بالضاحية، ‏على‏ أن ينفذها‏ مجموعة‏ من‏ العملاء‏ يتزعمها‏ رائد‏ التحق‏ بجماعة‏ عرفات‏ في‏1988م ، وعمل‏ مع‏ أمن‏ عرفات، وكان‏ مكلفاً‏ بالمهمات‏ القذرة‏ وله‏ علاقة‏ وطيدة‏ بالقوات‏ اللبنانية‏ " الكتائب " طلب‏ ضابط‏ الموساد‏ داني‏ من‏ العميل‏ احمد‏ عبد‏ البديع‏ الحلاق، ومجموعته‏ المتورطة‏ بسلسلة‏ جرائم‏ أن يقوموا‏ بمراقبة‏ فؤاد‏ مغنية‏ أحد‏ مسؤولي‏ حزب‏ الله، وبعد‏ تنفيذ‏ المراقبة، ‏طلب‏ منهم‏ خطفه‏ ونقله‏ للشريط‏ الحدودي، وعندما‏ اكتشف‏ ضابط‏ الموساد إن خطة‏ الخطف‏ لن‏ تنجح، طلب‏ منهم‏ تصميم‏ خريطة‏ واضحة‏ لمكان‏ عمل‏ فؤاد‏ مغنية، وأرسلت الخريطة‏ مع‏ العميلة‏ حنان‏ ياسين‏ زوجة‏ العميل‏ احمد‏ الحلاق‏ إلى قبرص‏ حيث‏ قامت‏ بتسليمها‏ لضابط‏ الموساد في‏ شهر‏11/1984م ، استدعت‏ الموساد احمد‏ الحلاق‏ إلى " إسرائيل " ودربته‏ طوال‏ فترة‏ 12 ‏يوماً‏ على‏ جهاز‏ تفجير‏ إلكتروني، وكلفته‏ باغتيال‏ فؤاد‏ مغنية‏ بينما‏ يكون‏ جالساً‏ وراء‏ مكتبه، بواسطة‏ عبوة‏ موضوعة‏ لهذه‏ الغاية .


كان‏ العملاء‏ طوال‏ فترة‏ ثلاثة‏ شهور‏ يراقبون‏ الحاج‏ فؤاد، ‏وكانوا‏ يذهبون‏ إلى المتجر، ويشربون‏ القهوة‏ لديه، ‏ويرسلون‏ بشكل‏ دائم‏ تقاريرهم‏ بالهاتف‏ إلى ضابط‏ الموساد وفي‏ يوم‏ التنفيذ‏ ذهب‏ العميل‏ احمد‏ الحلاق‏ إلى السوبر‏ ماركت، ‏وشاهد‏ الحاج‏ جالساً‏ خلف‏ مكتبه‏ وسلم‏ عليه‏ وخرج‏ وركب‏ سيارته، وضغط‏ على‏ زر‏ جهاز‏ التفجير، ‏حيث‏ انفجرت‏ العبوة‏ التي‏ تزن‏ 50‏ كيلو‏‏ تي‏ ان‏ تي‏‏ وفر‏ بسيارته‏ مع‏ زوجته‏ من‏ الضاحية، بعد‏ أن ترك‏ خلفه‏ ثلاثة‏ قتلى‏ والعديد‏ من‏ الجرحى، وذلك‏ بتاريخ‏ 21/12/1984م.


العبرة :


1- ‏تعتمد‏ الموساد في‏ عملية‏ تفجير‏ السيارات‏ على‏ مجموعتين ‏مجموعة‏ تقوم‏ بإعداد السيارة‏ المتفجرة، ‏ووضعها‏ في‏ مكان‏ الانفجار ومجموعة‏ أُخرى‏ مهمتها‏ فقط‏ التفجير‏ وليس‏ لها‏ أي‏ علاقة‏ بالمجموعة‏ الأولى.


2- ‏الحاج‏ فؤاد‏ مغنية‏ كان‏ له‏ علاقات‏ مع‏ حزب‏ الله، ‏إلاَّ‏ أنه‏ متفرغ‏ للعمل‏ التجاري‏ في‏ السوبر‏ ماركت‏ الذي‏ يديره‏ بنفسه ، ‏وكان‏ يعيش‏ حياة‏ علنية‏ مدنية، سمتها‏ الثبات‏ في‏ العنوان‏ والمكان، وبرنامجه‏ لا‏ يتغير.


3- ‏المناضل‏ الذي‏ ترك‏ حياته‏ النضالية، وتفرغ‏ للحياة‏ المدنية، يكون‏ مقتله‏ في‏ الحياة‏ المدنية‏ أقرب‏ من‏ مقتله‏ في‏ الحياة‏ النضالية.


4- ‏شبكة‏ العملاء‏ التي‏ نفذت‏ الاغتيال‏ مؤلفة‏ من‏ أشخاص‏ مأجورين‏ لا‏ دوافع‏ قوية‏ لهم‏ سوى‏ المكاسب‏ المادية، ‏لذلك‏ لم‏ تنجح‏ هذه‏ الشبكة‏ في‏ تنفيذ‏ عمل‏ حقيقي‏ ومؤثر‏ لصالح‏ الموساد وكان‏ أداؤها‏ طوال‏ فترة‏ المراقبة‏ ضعيفاً. وقد‏ نجحت‏ الشبكة‏ في‏ التنفيذ، ‏ولكنها‏ فشلت‏ في‏ الفرار.


‏5- قدرة‏ حزب‏ الله‏ والأجهزة‏ الأمنية‏ على‏ اكتشاف‏ الشبكة‏ وتفكيكها‏ بعد‏24 ‏ساعة‏ من‏ التنفيذ، مما‏ يعني‏ أن‏ لدى‏ الحزب‏ جهازاً‏ متخصصاً‏ ومدرباً‏ ويتحلى‏ بالوعي‏‏ واليقظة.


5- لم‏ يتخذ‏ الحاج‏ فؤاد‏ الإجراءات الأمنية حول‏ نفسه :‏ لأنه يحيا‏ كتاجر، ‏ولم‏ يخامره‏ الشك‏ أن‏ آخر‏ من‏ يسلم‏ عليه‏ سيكون‏ أول‏ من‏ يقتله .


7- ‏الحياة‏ العلنية، والأمكنة الثابتة، ‏والروتين‏ اليومي، وعدم‏ التغيير‏ والتجديد‏ المستمر، ‏هي‏ السبب‏ المباشر‏ لاغتياله‏ واغتيال‏ كثير‏ من‏ المناضلين‏ والشرفاء، إنها مقتل‏ الجميع.


8- ‏إن‏ الموساد تنشط‏ لجمع‏ أكبر‏ قدر‏ من‏ المعلومات‏ والتفاصيل‏ عن‏ هذه‏ العناوين‏ الثابتة، ‏وتضعها‏ كأهداف‏ ناضجة‏ جاهزة‏ للقطف‏ في‏ اللحظة‏ التي‏ يريدون، ‏كما‏ حدث‏ مع‏ الحاج‏ فؤاد‏ مغنية ولا‏ فائدة‏ للتعلم‏ من‏ العبر‏ بعد‏ فوات‏ الأوان لذا، ‏يجب‏ أن تعتمد‏ القوى‏ الوطنية‏ والإسلامية على‏ إنشاء مقرات‏ ومنازل‏ سكن، ‏ومكاتب‏ عمل‏ سرية‏ والمعرفة‏ بها‏ محصورة‏ بأشخاص محدودين‏ وموثوقين‏ ولهم‏ علاقة‏ عمل‏ بهذه‏ الأمكنة، وإلغاء المقرات‏ والمنازل‏ والمكاتب‏ العلنية‏ المنتشرة‏ بشكل‏ غير‏ مبرر.


9- ‏العناوين‏ الجديدة‏ لا‏ تحتاج‏ إلى كثير‏ من‏ الإجراءات الأمنية‏ الاستعراضية‏ المنتشرة‏ الآن، ‏وستكون‏ تكاليف‏ حمايتها‏ أدنى‏ بنسبة‏ كبيرة‏ مع‏ التكاليف‏ الباهظة‏ الموجودة‏ الآن.


10- ‏يجب‏ البحث‏ عن‏ عناوين‏ أمنية‏ من‏ الصعب‏ الدخول‏ إليها، ومن‏ السهل‏ حمايتها.


11- ‏يمكن‏ وضع‏ أعمدة‏ حديدية‏ قائمة‏ على‏ قواعد‏ إسمنتية على‏ مستوى‏ الأرض على‏ بعد‏ أمتار‏ من‏ أي‏ عنوان‏ مهم‏ لكي‏ لا يسمح‏ بالتوقف‏ لأي ‏سيارة‏ غريبة‏ وأجنبية ولا‏ يجوز‏ السماح‏ لأي‏ سيارة‏ مجهولة‏ بالوقوف‏ على‏ الأرصفة القريبة‏ من‏ المكتب، وأي‏ سيارة‏ تتوقف‏ يجب‏ الشك‏ بها.


12- من‏ المفيد‏ أن يكون‏ المكتب‏ أو‏ المقر‏ في‏ وسط‏ تجمع‏ سكاني‏ وليس‏ في‏ مكانٍ‏ منزوٍ.


13- ‏اختيار‏ أمكنة‏ بها‏ ساحات‏ أرضية تعزل‏ المكان‏ عن‏ الطريق.


13- ‏وضع‏ كاميرات‏ مراقبة‏ تلفزيونية‏ بشكل‏ غير‏ لافت‏ للانتباه‏ على‏ مداخل‏ وحول‏ الأماكن‏ التي‏ تستخدم‏ للعمل‏ العسكري‏ أو‏ لمقرات‏ القيادة .


15- ‏لا‏ يستمر‏ العمل‏ والبقاء‏ في‏ مكان‏ يمكن‏ تفجيره‏ يعتبر‏ ساقطاً‏ أمنياً ‏أكثر‏ من‏ نصف‏ عام .


وقد‏ يتمكن‏ الأعداء‏ عبر‏ الاختراق‏ المسبق‏ من‏ إدخال العبوة‏ المتفجرة‏ إلى غرفة‏ للاجتماعات‏ الخاصة‏ أو‏ ساحة‏ للاحتفالات‏ أو قاعة‏ للمهرجانات، كما‏ حدث‏ في‏ تفجير‏ مبنى‏ مجلس‏ الشورى‏ الإيراني وقتل‏ اكثر‏ من‏ "80" من‏ أعضاء الشورى، وقد‏ توضع‏ العبوة‏ في‏ أقرب‏ سقف‏ أو جدار‏ للقاعة‏ أو الغرفة‏ كما‏ حدث‏ للشهيد‏ محمد‏ علي‏ رجائي، ومحمد‏ جواد‏ باهونار، ‏حيث‏ غرست‏ العبوة‏ في‏ سقف‏ القاعة‏ التي‏ تقع‏ أسفل‏ المبنى‏ الذي‏ يتم‏ تفجيره في‏ الحالة‏ الأولى‏ يتم‏ إخفاء العبوة‏ جيداً‏ داخل‏ القاعة‏ أو الغرفة، وفي‏ الحالة‏ الثانية‏ يتم‏ إلصاقها بالسقف‏ أو الأرضية أو الجدار، ‏وتكون‏ الموجة‏ الانفجارية‏ موجهة‏ نحو‏ القاعة، لذلك‏ لابد‏ في‏ الحالتين‏ من‏ عمل‏ التالي:


أ‌- ‏المسح‏ الأمني الشامل‏ للقاعة‏ في‏ حذر أمني‏ لا‏ يتجاوز‏ خمس‏ ساعات‏ قبل‏ اللقاء.

ب‌- ‏وضع‏ القاعة‏ تحت‏ حراسة‏ أمنية‏ مشددة‏ ومتواصلة‏ حتى‏ بداية‏ اللقاء، ‏والاستمرار‏ بالحراسة‏ والمراقبة‏ حتى‏ انتهاء‏ اللقاء.
ت‌- ‏تفتيش‏ الحقائب‏ التي‏ يحملها‏ أي‏ شخص‏ يدخل‏ القاعة.
ث‌- ‏منع‏ وقوف‏ أي‏ سيارات‏ غريبة‏ بجوار‏ الأرصفة‏ الموازية‏ للقاعة.
ج‌- إذا كانت‏ القاعة‏ في‏ بناية، ويوجد‏ طوابق‏ أسفل‏ منها‏ أو‏ أعلى‏ منها‏ أو‏ بجوارها‏ وتشترك‏ معها‏ بجدار يجب‏ التأكد‏ من‏ نقاء‏ سكان‏ هذه‏ الشقق، ‏وعدم‏ وجود‏ ارتباطات‏ مشبوهة‏ أو‏ سوابق‏ أمنية‏ أو خلقية‏ لهم والتدقيق‏ في‏ حركة‏ الزوار‏ والضيوف‏ إلى هذه‏ الشقق.


















الخلاصة


لقد‏ فرضت‏ علينا‏ الصهيونية‏ عبر‏ شبكات‏ الموساد‏ وفرق‏ التصفية‏ حرب‏ الاغتيالات‏ المفتوحة‏ عبر‏ مرحلتين .


المرحلة‏ الأولى:

مرحلة‏ صعود‏ المد‏ الثوري‏ بعد‏ هزيمة‏ 1967، ‏والذي‏ تواصل‏ عبر‏ ثلاثة‏ عقود، ‏واستطاعوا‏ تصفية‏ عدد‏ كبير‏ من‏ الفلسطينيين‏ والعرب ورغم‏ أن‏ يد‏ فصائل‏ م ت ف‏ وأذرعتها‏ كانت‏ طليقة، ‏وتتحرك‏ كيفما‏ شاءت، ‏إلاَّ‏ أن النتائج‏ كانت‏ مأساوية نحن‏ لا‏ ننكر‏ أنه‏ سقط‏ في‏ هذه‏ الحرب‏ بعض‏ ضباط‏ الموساد، ولكن‏ هذه‏ النتائج‏ لم‏ تكن‏ على‏ مستوى‏ الصراع .

المرحلة الثانية:

مرحلة صعود قوى المعارضة، وانتشار ظاهرة العمليات الاستشهادية ولكن هذه‏ القوى ظهرت في مرحلة انحسار المد الثوري، وتراجع العمل العسكري، وطغيان النظام العالمي الجديد بعد حرب الخليج، واتفاقات أوسلو، ‏ومن هنا فإن يد هذه‏ القوى مقيدة بأصفاد من الخطوط الحمراء، فإذا كانت م.ت.ف ويدها طليقة لم تقدم رد الفعل المتوازن والمساوي للإجرام الصهيوني؛ فماذا سيكون بوسع هذه‏ القوى أن ترد‏ على‏ أي‏ عمل‏ لفريق‏ الاغتيالات‏ "الإسرائيلي"، ويدها مقيدة؟.

هل تمتلك قوى‏ المعارضة‏ الإجابة النظرية والعملية على هذا التساؤل المفتوح في مرحلة الدم المسفوك؟ أم أنها ستكتفي من الإجابة العملية في الخارج برد فعل تصعيدي لعمل عسكري في الداخل؟


‏إن‏ أزمة الاغتيال، ليست‏ أزمة‏ شخص‏ قتل‏ هنا‏ أو‏ هناك، إنما هي‏ أزمة‏ منظومة‏ فكرية‏ وسياسية‏ وأمنية‏ وعسكرية‏ وتنظيمية‏ واكبت‏ مسيرتنا‏ طوال‏ ثلاثة‏ عقود، ‏وقد‏ تتواصل‏ معنا‏ في‏ هذا‏ العقد‏ الأخير من‏ القرن‏ العشرين‏ إن‏ لم‏ يحدث‏ تغيير‏ جديد‏ في‏ بنيتنا‏ وعلاقتنا‏ ونهج‏ تفكيرنا.



الإشكالية التنظيمية ؛ غياب‏ النظرية‏ التنظيمية


لقد‏ قدمت‏ القوى‏ الفلسطينية‏ عبر‏ مسيرتها‏ مجموعة‏ رؤى‏ لصياغة‏ الموقف‏ من‏ البنية‏ التنظيمية، مثل‏ التنظيم‏ الجماهيري‏ أو‏ الطليعة‏ أو‏ النخبة‏ أو‏ فريق‏ العمل، ‏ولكن‏ أغلب‏ هذه‏ المفاهيم‏ رسخت‏ النهج‏ الفردي‏ على‏ المفهوم، والمركزية‏ على‏ الديمقراطية، وبدلاً‏ من‏ تقديم‏ نظرية‏ تنظيمية‏ لبناء‏ جسم‏ الحركات‏ الثورية، استعيض‏ عن‏ غياب‏ النظرية‏ وعدم‏ امتلاكها‏ بمجموعة‏ مهارات‏ إدارية أو‏ فكرية‏ أو‏ سياسية، وحاولت‏ القيادات‏ بهذه‏ المهارات‏ والقدرات‏ تغطية‏ العجز‏ الأساسي من‏ خلال‏ الإسراع بتأسيس‏ أجهزة‏ إدارية ديكورية، ‏وبذلك‏ لم‏ تحل‏ كثير‏ من‏ هذه‏ الإشكاليات المتراكمة‏ والتي‏ أدت في‏ نهاية‏ المطاف‏ أن تشهد‏ القوى‏ الثورية‏ صراعات‏ داخلية‏ حادة‏ وانشقاقات‏ وليدة‏ حملت‏ راية‏ الثورة‏ والتغيير‏ والإصلاح، تم‏ التعامل‏ مع‏ كثير‏ من‏ رموزها‏ بالتصفية‏ الجسدية‏ والاغتيالات، والارتهان‏ إلى أجهزة مخابرات، فغاب‏ الثوري، وبرز‏ المتآمر، وغابت‏ الحقائق، وظل‏ الموقف‏ من‏ تداول‏ السلطة، ومن‏ الزعيم، ‏والموقف‏ من‏ الديمقراطية‏ الداخلية‏ ومن‏ قنوات‏ النقد، ‏الموقف‏ من‏ القضاء‏ المستقل، ‏الموقف‏ من‏ الشهداء‏ والأسرى والمناضلين، الموقف‏ من‏ الإنسان ومن‏ العمل‏ المؤسسي‏ الذي‏ تكون‏ فيه‏ المرجعية‏ التنظيمية‏ إلى مبادئ‏ التنظيم‏ وفكره، ‏هي‏ القاعدة‏ في‏ التكوين‏ والتعامل‏ والمتابعة‏ والمحاسبة، ظل‏ الموقف‏ من‏ كل‏ هذه‏ المسائل‏ يحتاج‏ إلى مراجعة، فعندما‏ تكون‏ أوضاعنا الداخلية‏ متينة‏ وجد‏ متماسكة، لن‏ تستطيع‏ كثير‏ من‏ الأجهزة المعادية‏ العبث‏ بأوضاعنا الداخلية‏ واصطياد بعض‏ المؤيدين‏ أو المعارضين، وتحريك‏ هذه‏ الشخصيات‏ لبذر‏ الفتن‏ والمشاكل، وجمع‏ المعلومات‏ الاستخبارية، وضرب‏ التماسك‏ وتصفية‏ المناضلين‏ واغتيالهم‏ في‏ العواصم.


الإشكاليات الأمنية ؛ تغليب‏ العلني‏ على‏ السري


رغم‏ أن الحركات‏ الثورية‏ تحمل‏ أفكاراً‏ جذرية‏ ومشاريع‏ كلية، وتتحرك‏ في‏ ظل‏ وسط‏ عفن‏ ومتآمر‏ تحكمه‏ عقلية‏ التجزئة‏ والتغريب‏ والتبعية‏ والأجهزة الأمنية المرتبطة، إلا أنها‏ بدلاً‏ من‏ دخول‏ الأقطار العربية‏ من‏ أبواب‏ متفرقة، ‏وتركيز‏ اغلب‏ جسمها‏ في‏ ظل‏ مجال‏ أمني‏ شديد، ‏وتقسيم‏ وتحديد‏ الصلاحيات‏ والمهمات‏ والتفكير‏ بالغد‏ لا‏ باليوم، وإعطاء‏ الأولية‏ للجسم‏ التنظيمي‏ والأمني‏ وأجهزة‏ متابعة‏ العمل‏ العسكري‏ في‏ الأرض المحتلة، ‏فإنها‏ دخلت‏ الأقطار‏ من‏ باب‏ واحد‏ وبعنوان‏ واحد، تحت‏ اسم‏ التنظيم‏ نفسه، ‏وطفا‏ جسمها‏ فوق‏ سطح‏ الأرض، ‏عارياً‏ مكشوفاً وانتشرت‏ المكاتب‏ الخاصة‏ والشمولية‏ كما‏ الفطر، وطغت‏ السياسة‏ والإعلام‏على‏ التنظيم‏ والأجهزة، ‏وانحصر‏ التفكير‏ في‏ الذات‏ والحاضر‏ بدلاً‏ من‏ الموضوع‏ والغد، ‏واصبح‏ التنظيم‏ تحت‏ رحمة‏ الساحر‏ الذي‏ يرى‏ التحرير‏ من‏ على‏ بعد‏ خطوات، ‏ومآذن‏ المسجد‏ الأقصى في‏ نهاية‏ النفق‏ حتى‏ إذا ما‏ جد‏ الجد‏ تخطفت‏ المناضلين‏ يد‏ رجال‏ البادية‏ في‏ عمان، ‏ورجال‏ الكتائب‏ في‏ بيروت، ووحدات‏ الموساد‏ في‏ أقطار‏ الأرض.


وربما‏ ما‏ زال‏ هناك‏ متسع‏ من‏ الوقت‏ لإعادة‏ قراءة‏ هذه‏ التجربة، ‏وترتيب‏ الأوراق‏ من‏ جديد.


الإشكالية الفكرية ؛ ازدواجية‏ التوجه


نحن‏ ننتمي‏ إلى أمة‏ إسلامية، ومحيط‏ عربي، يحمل‏ عبر‏ مئات‏ السنين‏ موروثاً‏ حضارياً‏ رسالياً، لا يمكن‏ الاستهانة‏ به، أو‏ الوقوف‏ في‏ وجهه، ولكننا‏ في‏ مرحلة‏ تاريخية‏ وتحت‏ تأثير‏ انتصار‏ الاشتراكية‏ حملنا‏ أفكاراً‏ وايديولوجيا‏ غريبة‏ عن‏ واقعنا، وحاول‏ بعضنا‏ صياغة‏ هويتنا، ‏وذاتنا‏ من‏ جديد‏ بناءً‏ عليها، وتشكلت‏ لهذه‏ الأفكار ومشاربها‏ مدارس، غيبتنا‏ في‏ مجاهل‏ فكرية، وأصبحنا‏ في‏ داخل‏ الأطر‏ حزبيين‏ في‏ التوجه‏ وفي‏ المحيط‏ الاجتماعي وما‏ بين‏ النظرية‏ والتطبيق، لم‏ نعرف‏ ما‏ هو‏ الأصل ومن‏ هو‏ الدخيل‏ والطارئ‏ والهامشي انفصلنا‏ عن‏ محيطنا، وأصبنا‏ بالفصام، وأكلتنا‏ الصراعات.

الإشكالية السياسية ؛ ازدواجية‏ الخطاب‏ السياسي

كان‏ لازدواجية‏ التوجه‏ الفكري‏ انعكاس‏ على‏ الموقف‏ السياسي؛‏حيث‏ برزت‏ بوضوح‏ ازدواجية‏ الخطاب‏ السياسي، فنجد‏ تياراً‏ مع‏ المعارضة، وفي‏ نفس‏ اللحظة‏ مع‏ الخط‏ الرسمي، وتياراً‏ مع‏ البندقية‏ وفي‏ نفس‏ اللحظة‏ مع‏ التسوية، ‏ولم‏ نستطع‏ أن‏ نخرج‏ من‏ هذا‏ الازدواج‏ الذي‏ انعكس‏ تنظيمياً‏ في‏ أزمات‏ عصفت‏ بأغلب‏ هذه‏ التيارات، فتوالدت‏ التنظيمات‏ والأحزاب‏ من‏ رحم‏ التنظيمات‏ نفسها، وما‏ زالت‏ هناك‏ جملة‏ من‏ القضايا‏ لم‏ تحسم‏ بعد‏ في‏ ازدواجية‏ الخطاب.


ولقد‏ حملت‏ هذه‏ الازدواجية‏ انشقاقات‏ وثورات‏ وتمرداً، حملت‏ معها‏ تصفيات، وملاحقات‏ ومطاردات‏ وثارات‏ لم‏ تهدأ‏ نارها‏ بعد، وكان‏ ذلك‏ مرتعاً‏ خصباً‏ لوحدات‏ الموساد‏ الخاصة، لتدخل على‏ خط‏ التناقضات‏ والصراعات، وتستفيد‏ منها‏ بجمع‏ المعلومات‏ الثرية‏ واقتناص‏ واغتيال‏ الرموز‏ الخطيرة، وبقي‏ السؤال‏ مطروحاً‏ من‏ قتل‏ ناجي‏ العلي، وماجد‏ أبو شرار؟‏وهل‏ هناك‏ الكثير‏ ممن‏ قتلوا، ومات‏ سر‏ قتلهم‏ معهم، وعلقت‏ التهمة‏ بالموساد؟


الإشكالية المالية

الأرصدة، البنوك، المشاريع، التفريغ، الاحتيال، السرقات الفساد، المحسوبية، التبذير، الاستزلام، شراء‏ الضمائر، الأزمة‏ المالية، وقف‏ المخصصات‏ عن‏ عوائل‏ الأسرى والشهداء‏ وعائلات‏ المناضلين، الطرد‏ الجماعي، وإنهاء العلاقة، أزمات‏ تتراكم‏ وتتضخم، ليجد‏ آلاف‏ ممن‏ باعوا‏ شبابهم‏ وحياتهم‏ من‏ أجل‏ الثورة‏ أنفسهم في‏ نهاية‏ الرحلة‏ مهملين‏ ضائعين‏ في‏ أزقة‏ العواصم، ووراءهم‏ عائلات‏ وأبناء‏ ينتظرون‏ لقمة‏ العيش، فما‏ يمنع‏ هذا‏ من‏ الهجرة‏ إلى السويد‏ والدنمارك‏ ليبيع‏ خبرته‏ وكل‏ ما‏ لديه‏ من‏ المعلومات‏ لجهات‏ معادية، وما‏ يمنع‏ غيره‏ من‏ الارتزاق‏ مع‏ وسطاء‏ أو‏ أجهزة‏ أمنية، يقدم‏ لها‏ المعلومات‏ وينفذ‏ لها‏ ما‏ تريد‏ من‏ اغتيالات‏ وتصفيات، وما‏ يمنع‏ غيره‏ من‏ أن يكون‏ بوقاً‏ ينشر‏ كل‏ ما‏ لديه‏ من‏ معلومات‏ في‏ كل‏ المجالس‏ التي‏ يرتادها، وما‏ يمنع‏ الموساد‏ أن تشتري‏ قسماً‏ من‏ هؤلاء‏ بشكل‏ مباشر‏ وغير‏ مباشر، ‏واستغلال‏ نقمتهم‏ لترسيخ‏ روح‏ الانتقام، عبر‏ عمليات‏ الاغتيال .

إن الإشكالية المالية‏ والسياسية‏ والفكرية‏ والأمنية والتنظيمية‏ والأخلاقية والروحية‏ هي‏ كلٌ‏ متحدٌ‏ يتفاعل‏ بشكل‏ دائم‏ ومستمر، ليشكل‏ هذه‏ الحالة‏ من‏ الضعف‏ التي‏ تمكن‏ للموساد‏ من‏ تنفيذ‏ عمليات‏ الاغتيال‏ والنجاح‏ في‏ هذه‏ الحرب .

وإذ‏ نقف‏ اليوم‏ على‏ أعتاب مرحلة‏ جديدة، فلا‏ بد‏ من‏ إعادة النظر‏ من‏ جديد‏ لحل‏ هذه‏ الإشكاليات عبر‏ امتلاك‏ نظرية‏ تنظيمية‏ متماسكة‏ والاقتراب‏ أكثر‏ من‏ جماهيرنا‏ بتبني‏ عقيدة‏ وأيديولوجية الأُمة، ‏وتغليب‏ السري‏ على‏ العلني، ‏وصياغة‏ توجهنا‏ وخطابنا‏ بما‏ تمليه‏ عليه‏ رسالتنا‏ والمقدس‏ الثابت، وإعادة الاعتبار‏ للإنسان المناضل‏ والأسير والشهيد، والاستفادة‏ من‏ دروس‏ وعبر‏ تجربة‏ عمرها‏ لا‏ يقل‏ عن‏ ثلاثة‏ عقود، والخروج‏ من‏ أسر‏ الحرب‏ الدفاعية‏ إلى الممارسة‏ الهجومية.
ما‏ قبل‏ الساعة‏ الأخيرة

هذه‏ الدراسة‏ محاولة‏ لتقييم‏ جانب‏ من‏ مرحلة‏ مضت، ولكنها‏ لم‏ تنته واستشهاد‏ هاني‏ عابد، ‏ومجزرة‏ مسجد‏ فلسطين، ‏واعتقال‏ مئات‏ الإسلاميين والعشرات‏ من‏ أنصار الاتجاه‏ الوطني‏ في‏ سجون‏ عرفات‏ هي‏ إحدى الإرهاصات الأولية‏ لسمات‏ مرحلة‏ جديدة‏ ندخل‏ لها‏ عبر‏ بوابات‏ اتفاقيات‏ أوسلو- ‏القاهرة ، إثر‏ العمليات‏ الاستشهادية‏ في‏ كل‏ مكان، ‏ومنها‏ العملية‏ الاستشهادية‏ في‏ الحافلة‏ الإسرائيلية في‏ شارع‏ ديزنغوف‏ في‏ تل‏ أبيب وعملية‏ نتانيا‏ أعلن‏ الجنرال‏ الإرهابي المخادع‏ اسحق‏ رابين‏ بأنه‏ وأجهزة‏ كيانه‏ سيلاحقون‏ القتلة‏ من‏ حماس‏ والجهاد‏ الإسلامي وحزب‏ الله‏ أينما‏ كانوا، ‏وحيثما‏ وجدوا، ‏وكان‏ بذلك‏ يعطي‏ الضوء‏ الأحمر‏ لبداية‏ مرحلة‏ التصفيات.


هناك‏ دماء‏ كثيرة‏ سالت‏ في‏ حرب‏ الاغتيالات‏ التي‏ خاضتها‏ الموساد‏ ضد‏ شخصيات‏ م. ت. ف، ولم‏ تجد‏ الموساد‏ صعوبة‏ وهي‏ تقتل‏ ما‏ يقرب‏ من‏ 40‏ مناضلاً‏ في‏ الخارج‏ من‏ خلال‏ استثمار‏ قوتها‏ في‏ ضرب‏ نقاط‏ ضعفنا، ‏وكان‏ يمكن‏ تدارك‏ كثير‏ من‏ هذه‏ الدماء ولكن‏ القوانين‏ التي‏ تحكم‏ حركة‏ الصراع‏ هي‏ النافذة‏ في‏ نهاية‏ المطاف .


والآن‏ بعدما‏ انسحب‏ عرفات‏ وفريقه‏ من‏ ساحة‏ الصراع، ‏وتحولوا‏ إلى أداة‏ أمنية‏ تنفذ‏ الاتفاقيات‏ والاملاءات‏ الصهيونية، فإن‏ الصراع‏ يتشكل‏ من‏ جديد‏ لتقف‏ الموساد‏ في‏ جانب، والقوى‏ الإسلامية والثورية‏ في‏ جانب‏ آخر، في‏ حرب‏ مفتوحة‏ على‏ احتمالات‏ كثيرة، سيحكم‏ نتيجتها‏ في‏ ساحات‏ المعارك‏ وساحات‏ الاغتيال، قدرتنا‏ من‏ استيعاب‏ عبر‏ التاريخ‏ في‏ تجربة‏ م .ت. ف، والتزامنا‏ بالقوانين‏ الربانية، ‏ونقل‏ الصراع‏ إلى ساحة‏ الأعداء.


لقد‏ سقط‏ هاني‏ عابد‏، وفؤاد‏ مغنية ، وما‏ زالت‏ في‏ صفوف‏ الحركة‏ الإسلامية والقوى‏ الثورية‏ بعض‏ الثغرات‏ التنظيمية‏ والأمنية‏ والإدارية، التي‏ تحتاج‏ إلى ترتيب‏ من‏ جديد، فمعركة‏ الدماء‏ قادمة، ‏ونحن‏ لا‏ نبكي‏ الشهداء، ولكننا‏ نبكي‏ الأحياء‏ الذين‏ إن‏ لم‏ يستقيموا‏ على‏ الطريقة‏ فعليهم‏ انتظار‏ شهادة‏ الوفاة.

اخر الاخبار

0

اعلن الان!
المصدر شبكة الليزر الاخباريه| محور العداله
;

العين الثاقب

feedit خدمة Feed it لمعرفة رابط RSS    مقدمة من اليوم السابع